أصدرت أربع منظمات سورية ورقة موقف مشتركة بعنوان «واقع النساء في سوريا ومتطلبات المرحلة الانتقالية»، قدّمت فيها تقييماً سياسياً وحقوقياً لواقع النساء، تهدف الورقة إلى تقديم موقف حقوقي وسياسي شامل يعبر عن الحركات والمنظمات النسوية السورية تجاه مسار المرحلة الانتقالية والواقع الراهن للنساء. وتؤكد الورقة أن حقوق النساء ومشاركتهن الفاعلة ليست مطلباً فئوياً أو ملحقاً إنسانياً مؤجلاً، بل هي معيار بنيوي وشرط لا يقبل التنازل لمشروعية ولادة دولة ديمقراطية قائمة على المواطنة وسيادة القانون.
الورقة حملت توقيع كل من: اللوبي النسوي السوري، الحركة السياسية النسوية السورية، شبكة المرأة السورية، ومركز دعم المجتمع المدني والديمقراطية (CCSD).
منذ سقوط النظام السابق، تطلّع السوريات والسوريين في سوريا إلى مرحلة انتقالية تستجيب لتضحياتهن/م وتؤسس لتحول سياسي حقيقي، يفضي إلى بناء دولة مستقرة سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً، قائمة على سيادة القانون، والديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان وضمان كرامة جميع المواطنات والمواطنين. غير أن ممارسات السلطة الانتقالية، منذ توليها الحكم، أظهرت توجهاً متزايداً نحو احتكار السلطة وتكريس نفوذ هيئة تحرير الشام داخل مؤسسات الدولة ومفاصلها الأساسية، بدلاً من بناء سلطة انتقالية مدنية، تعددية، مستقلة وشاملة.
وفي الوقت الذي كرّست فيه السلطة الانتقالية جهوداً واسعة لتعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية والحصول على الاعتراف الخارجي، لم تمنح الملف الداخلي والاستحقاقات الوطنية الملحّة ما تستحقه من أولوية. فقد نظّمت حواراً وطنياً شكلياً ومحدوداً، افتقر إلى التمثيل الحقيقي والتعددية والشفافية، ولم يعكس تنوع المجتمع السوري، كما لم تفضِ مخرجاته، والتي لم تكن ملزمة، إلى وضع أسس جدية لعقد اجتماعي جديد أو لمسار انتقالي تشاركي يستند إلى إرادة النساء والرجال في سوريا.
كما شكّلت القوى السياسية والعسكرية المهيمنة حكومة انتقالية من لون واحد تقريباً، احتفظت فيها بالمواقع السيادية، في انتهاك واضح لمبدأ الشمول والتمثيل المتوازن. وقامت بدمج الفصائل المسلحة، بما فيها فصائل متطرفة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة وجرائم حرب، في تشكيلات الجيش والأجهزة الأمنية الجديدة، من دون إخضاع أفرادها وقياداتها لعمليات تدقيق ومساءلة وإصلاح مؤسسي تتوافق مع المعايير الدولية. وقد وواصلت هذه التشكيلاتُ/الفصائل ارتكاب الانتهاكات، التي برزت بصورة خطيرة في مجازر الساحل والسويداء، بما شمل القتل خارج نطاق القانون، الانتهاكات الجنسية و خطف النساء، والاعتداء على المدنيات والمدنيين، والانتهاكات ذات الطابع الطائفي والمناطقي، والتي صنفتها لجنة التحقيق الدولية المستقلة بأنها قد ترقى لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في ظل غياب التحقيقات المستقلة والشفافة والمحاسبة الفعالة.
وفي سياق يفتقر إلى الشرعية التمثيلية والتوافق الوطني، نصبت التحالفات العسكرية والسياسية أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية لمدة خمس سنوات. الذي شكل بقرار منه، لجنة لصياغة إعلان دستوري كرّس تمركز السلطات التنفيذية والتشريعية والتعيينية في يد رئيس المرحلة الانتقالية، وأضعف مبدأ الفصل بين السلطات والرقابة المتبادلة بينها وهو ما قد يهدد بتأسيس حكم استبدادي جديد. كما منح الرئيس سلطة مؤثرة في تشكيل السلطة التشريعية، من خلال تعيين ثلث أعضائها والتحكم في الآلية التي يُختار عبرها الثلثان الآخران، مع الإبقاء على مشاركة نسائية محدودة ورمزية لا ترقى إلى مستوى الشراكة السياسية المتكافئة ولا تعكس دور النساء السوريات في النضال والعمل العام.
وامتد نفوذ هيئة تحرير الشام إلى قطاعات القضاء والإدارة المحلية والمؤسسات العامة، بما يهدد استقلال القضاء وحياد مؤسسات الدولة. كما صدرت قرارات وممارسات قيّدت الحريات الشخصية والعامة، وفرضت أنماطًا من الوصاية الاجتماعية، وانعكست بصورة خاصة على النساء، من خلال التضييق على حركتهن وخياراتهن ووجودهن في المجال العام، في تعارض مع الالتزامات الدولية المتعلقة بالمساواة وعدم التمييز والحقوق والحريات الأساسية.
وفي موازاة ذلك، لم تتعامل السلطة الانتقالية مع ملف العدالة الانتقالية بوصفه ركيزة أساسية لبناء السلام ومنع تكرار الانتهاكات، بل جاء قرارها بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية قاصراً ومجتزأً، إذ حصرت اختصاصها بالجرائم المرتكبة من قبل النظام السابق. ويُعد هذا الحصر إخلالاً جوهرياً بمبادئ العدالة الانتقالية، التي تقتضي شمول جميع الضحايا والتحقيق في الانتهاكات الجسيمة بصرف النظر عن هوية مرتكبيها أو انتماءاتهم السياسية والعسكرية. إن أي مسار لا يشمل الجرائم التي ارتكبتها مختلف الأطراف، بما فيها الجماعات المسلحة وسلطات الأمر الواقع والسلطة الانتقالية الحالية، لن يحقق العدالة، ولن يضمن المحاسبة أو جبر الضرر أو عدم التكرار.
ولم تبدأ السلطة الانتقالية حتى الآن بعملية إعادة إعمار حقيقية، بل فتحت البلد للاستثمارات، في ظل حالة من عدم الشفافية والوضوح، والتي ستكون على حساب الفئات المهمشة والفقراء، بما فيهم النساء الأكثر تهميشاً وخصوصاً في المخيمات التي ما زالت قائمة حتى الآن، والتي طرحت الحكومةُ الانتقالية من أجلها خطة صفر خيمة حتى نهاية العام، ولكن لم يتضح كيف سيتم التعامل مع النساء المعيلات في هذه المخيمات بعد.
لقد تحملت النساء السوريات، طوال سنوات النزاع والاستبداد، أنماطًا مركبة ومتعددة من الانتهاكات، شملت القتل والخطف والإخفاء القسري والاعتقال والتعذيب والعنف الجنسي وأشكال أخرى العنف القائم على النوع الاجتماعي، فضلًا عن التهجير القسري وفقدان المعيل والاستغلال الاقتصادي وتزويج القاصرات والحرمان من التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة. وقد تنوّعت الجهاتُ المنتهِكة لهذه الحقوق، من النظام السابق، إلى الجماعات المسلحة والمتطرفة وسلطات الأمر الواقع، وصولاً إلى السلطة الانتقالية الحالية التي تتواصل في ظلها هذه الانتهاكات وتتجدد، وسط ضعف الحماية القانونية وغياب آليات المساءلة الفعالة.
وانطلاقًا من ذلك، تأتي هذه الورقة بوصفها وثيقة موقف مشتركة تعبّر عن رؤية المنظمات والحركات النسوية الموقعة عليها تجاه الواقع السياسي والحقوقي الراهن، والتحديات التي تواجه النساء السوريات، وفي مقدمتها استمرار الانتهاكات، والإقصاء من مواقع صنع القرار، وغياب المشاركة السياسية الفعلية، وضعف الضمانات الدستورية والقانونية لحماية حقوقهن.
ولا تنفصل قضايا النساء في هذه الورقة عن الرؤية الأشمل لمستقبل سوريا؛ فحقوق النساء وحرياتهن ليست شأناً فِئَوِيّاً هامشياً أو مطلباً مؤجلاً لحين استتباب الأوضاع، بل هي معيار حاسم وشرط بنيوي لمدى ديمقراطية الدولة وعدالة مؤسساتها. إن سوريا المنشودة يجب أن تكون وطناً لجميع النساء والرجال في سوريا، خالياً من الاستبداد والعنف والتمييز، قائماً على المواطنة المتساوية وسيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء واحترام التنوع.
كما يجب أن تُبنى الدولة الجديدة بمشاركة كاملة وفاعلة للنساء السوريات في جميع مراحل الانتقال السياسي ومؤسسات الحكم وصنع القرار، وأن تضمن المنظومة الدستورية والقانونية حقوقهن السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتوفر بيئة آمنة ومواتية لعملهن في الشأن العام، وتحميهن من جميع أشكال العنف والتمييز والإقصاء.
يمكنكم/يمكنكن الاطلاع عليها من خلال الضغط على الرابط التالي:
