
نوارة محفوض
تتكرر في سوريا في الأشهر الأخيرة حالات عنف منزلي تؤدي إلى قتل أطفال ، ولا تنحصر هذه الظاهرة بمحافظة معينة أو فئة معينة، تم الإبلاغ عن خمس حالات قتل لأطفال في الأشهر الأخيرة فقط.
” أصل هذه المشكلة متعدد، أولا يسمح القانون السوري الحالي بتأديب المرأة والأسرة عبر ضربها بدون عنف يؤدي إلى أذية، ولكن القانون نفسه لا يعرف العنف، وبالتالي لا نعرف أية درجة مسموع بالعنف” تقول المحامية والناشطة المدنية حنان زهر الدين.
تشرح زهر الدين أن قانون العقوبات السوري مبني على الشرع الإسلامي كأحد مصادر التشريع، وبالتالي تعريف العنف فيه هو الأذى الجسدي فقط، ولا يتسق مع مضامين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تجرم كل أنواع العنف، الجسدي ولكن أيضا اللفظي والنفسي والاقتصادي.
“عمليا وعبر السنوات الماضية لاحظنا أن القاضي لا يحاسب المعنف ويجرمه، إلا في حال كان الأذى جسيما، بمعنى في حال كسرت عظام الضحية أو تشوهت مثلا. لكن حقيقة الصياغات القانونية الفضفاضة التي لا تعرف العنف تماما، مترافقة بالعقلية الذكورية لمجتمعاتنا عنت تكريس حالة التساهل مع العنف وتبريره وعدم مراعاة المصلحة الفضلى للطفل، وإلا كيف كان مثلا من الممكن إعادة حضانة العديد من الطفلات إلى معنفهن بعد كل ما حدث!”. تقول زهر الدين.
في مثال واضح عما قالته زهر الدين، قتلت الطفلة جنات العفيس ذات الأربعة أعوام على يد والدها في بلدتها الحسينية بريف دير الزور الغربي بتاريخ 27 أيلول 2026. بحسب التقارير كان والد جنات قد ضربها لحد إدخالها إلى المشفى لأسبوع قبل شهر من حادثة مقتلها على يده، وكان أخوته قد تقدموا بشكوى ضده وتم توقيفه على أثرها لمدة لا تزيد عن 25 يوما لتنتقل الطفلة للعيش مع عمتها، ولكن وبعد إطلاق سراحه سمحت له السلطات باستعادة حضانة بناته الثلاث، لتتكرر حوادث التعنيف المنزلي التي أدت بالنهاية إلى مقتل جنات بعد جلدها بالكبل مما أدى لتهشم جمجمتها. أعلنت بعدها قوى الأمن الداخلي عن اعتقال والد جنات.
وفي مثال صارخ أخر عن تساهل النظام القضائي مع العنف، وجدت الطفلة نور الدوس ذات الاثني عشر عاما والمتحدرة من بلدة نمر مقتولة بتاريخ 26 تموز 2026 . كان قد أعلن عن اختفاءها قبل ثلاثة أيام، ليتم أيجاد جثتها متفسخة ومرمية في الأراضي الزراعية بين بلدتي نمر ومدينة الحارة بريف درعا الشمالي. كان والدي نور قد انفصلا منذ أعوام عدة، وبقيت نور مع والدتها وعائلتها حتى زواجها قبل فترة، حيث انتقلت عندها حضانتها لوالدها الذي يقيم في دمشق وترك نور مع جدتها لأبيها وأعمامها في بلدة نمر. بحسب شهادة مصورة لجدة نور لوالدتها السيدة ميسون الدوبة فإن والدتها وعائلة والدتها كانوا قد تقدموا بشكاوى تعنيف منزلي ضد والد نور قبلا مرفقة بصور وأدلة ولكن القاضي رفض التجاوب وأصر على أن من حق والد نور وعائلته تأديبها ، قالت الجدة في حديثها للإخبارية السورية: “أنا بدي القاضي يتحاكم، القاضي الي رحت بست ايديه ..قلتله البنت عم تتقتل.. البنت عم تنضرب… جاي الله عليك ساعدها. قال عند أهلها.. عند اهلها، واهلها عم يربوها. قتلته الترباية مو بالضرب، رحت لقيت عينها هيك (ورمانة)، شوفها (صورتها) على الهاتف!” . بحسب شهادة خال الطفلة، كان والدها قد طالب بحضانتها قبل تسعة أشهر من جريمة قتلها، بينما عاشت سابقا مع والدتها وأسرتها. بحسب شهادة والدتها والتقارير الإعلامية فإن نور تعرضت لاعتداء جنسي سبق ضربها حتى الموت من قبل عمها، الذي قام بعدها بالاتصال بوالدها في دمشق ليعود الوالد إلى بلدة نمر ويساعد عمها بالتخلص من جثتها ومحاولة ادعاء فقدانها بهدف التغطية على الجريمة ، لكن شهادات والدتها وعائلة جدها لأمها أدت إلى توقيف الوالد ثم اثنين مع أعمامها، وقد اعترفوا بالجرم أثناء التحقيقات. تمت إحالة المتهمين بعدها إلى القضاء العسكري بحكم أن عمها الذي قتلها هو عضو في وزارة الدفاع، وقامت بعدها وزارة العدل بتشكيل لجنة تفتيش للاطلاع على حيثيات القضية بما فيه قرارات القاضي السابقة حول تنازع الحضانة.
تم الإبلاغ على المواقع الاخبارية عن مقتل الطفلة نسرين حداد ذات الأحد عشر عاما على يد والدها في منزلها في حلب القديمة بعد أن ضربها الوالد بعنف بأدوات حديدية على رأسها، تدل الأخبار الواردة على أن الأمن العام قام بتوقيف الوالد بعدها.
وقتل الطفل كنان محمد الأطرش ذو الاثني عشر عاما في مخيم أطمة في الشمال السوري على يد والده شنقا، وقد قال نشطاء إعلاميون و تقارير إعلامية أن الوالد كان يعاني وضعا نفسيا مترديا وأوضاع معيشية صعبة.
كانت أيات الرفاعي قد قتلت على يد زوجها في العام 2021، في العام 2022 حكم زوجها بالحبس لمدة سبعة سنوات ولكنه فر من سجن عدرا ليلة الثامن من ديسمبر 2024 ليلة سقوط نظام الأسد مستغلا فوضى فتح السجون، ليقوم في هذا العام بتقديم دعوى وصاية لابنته ويحصل عليها. إلا أنه بعد احتجاج عائلة أيات، تم إعادة إلقاء القبض عليه وتذرع القاضي الذي حكم للأب بالوصاية بعدم معرفة حيثيات القضية عند منحه الوصاية وبأنه لم يكن يعلم أن الأب محكوم بجريمة قتل الأم.
ولا تقتصر جرائم القتل بحالات عنف منزلي على المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الانتقالية في دمشق، فقد وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان جريمة قتل الطفلة لجين أنور القنطار حرقا على يد عمها في السويداء ، تقيم القناة في منزل جدها بعد انفصال أبويها، وبحسب شهادتها قبل وفاتها في المشفى قام عمها بمهاجمتها وإشعال النار فيها بعد سكب البنزين عليها، لم تتضح دوافع هذه الجريمة ولكن بحسب الجد فإن العم يعاني من اضطرابات نفسية وقد قام الجد بتسليمه للأمن الجنائي في السويداء.
لا تأتي حوادث القتل بحالات تعنيف منزلي معزولة عن البيئة الاجتماعية وحتى القانونية، تتكرر البلاغات عن حالات تعنيف لأطفال على وسائط التواصل الاجتماعي والنداءات لحمايتهم. لا يوجد أرقام دقيقة معلنة عن حالات العنف المنزلي ومدى انتشارها في سوريا، ولكن وبحسب تقرير أصوات من سوريا 2025 الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان فإن سوريا دخلت مرحلة جديدة في العام 2025، “فسقوط الرئيس السابق بشار الأسد وحكومته أعطى أملا بإنهاء النزاع المسلح الذي اندلع في العام 2011، إلا أن الأزمة الإنسانية لم تشارف على الانتهاء حتى، فأكثر من 16 مليون شخص ، أي ما يفوق 70% من سكان سوريا ما يزالون بحاجة للمساعدة الإنسانية”، يشرح التقرير أنه في نهاية العام 2025 كان ما يزال يوجد سبعة ملايين نازح داخل سوريا، عاد أكثر من مليون نازح من مناطق داخل البلاد ونحو 400 ألف من دول الجوار، وأن الأسر النازحة تستمر في العيش في ظروف صعبة مع وصول محدود للخدمات الأساسية مثل الغذاء والرعاية الصحية .
بحسب تقديرات البنك الدولي فإن مساهمة النساء في سوق العمل بلغت نسبة 12.7 % في العام 2025 ، بينما بلغت النسبة بين الرجال 61.4%، في الوقت الذي يعيش 90% من عموم الشعب السوري تحت خط الفقر.
يجادل تقرير أصوات من سورية أن النساء والفتيات السوريات، كما كن منذ بدء الثورة والحرب ، ما زلن يتحملن أسوأ تبعات الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتقاطعة ، وأن “لا مكان آمن، إذ يحدث العنف في المنازل والأماكن العامة” ، تزيد عوامل انعدام الأمن واستمرار انتشار السلاح والنزاعات والصعوبات الاقتصادية من هشاشة أوضاع النساء والأطفال ، وتعقد الأعراف الاجتماعية التمييزية الي تفترض توقعات اجتماعية حول طاعة النساء من قدرة النساء على الإفصاح وطلب المساعدة.
تبعا لتحليل صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في العام 2025، فإن “8.6 مليون فرد ما زالوا بحاجة إلى المساعدة المتعلقة بالعنف المبني على النوع الاجتماعي ، وتشكل النساء والفتيات نسبة 85% من هذه الرقم حيث لا يزال العنف من قبل الشريك الحميم والعنف النفسي والعنف الاقتصادي والزواج المبكر و القسري والاستغلال الجنسي تشكل ” مصادر قلق مستمرة”.
وقد ذكر المصدر أعلاه نفسه أن وكالة الهجرة السويدية في سبتمبر 2025 قالت أن العنف الجسدي ضد المرأة داخل الأسرة قد ازداد وأصبح أكثر شيوعاً، لا سيما مع تزايد أعداد النساء العائدات اللواتي اضطررن إلى مشاركة السكن مع أفراد الأسرة الممتدة أو الأقارب.
تقول المحامية زهر الدين أن أغلب النساء لا تعرف السبل القانونية للشكوى أساسا، وإن عرفت فالكثيرات لا يثقن أن توصلهن الشكوى للحماية أو العدالة في ضمن الظروف الاقتصادية المتردية والتقاليد الاجتماعية السائدة، ” ترفض الكثير من الأسر انتقال بناتهن للاقامة معهم مع أطفالهن في حال كانت المرأة أو أطفالها عرضة للعنف الأسري، أو تعجز عن إيوائهم، ولا يمكن للمرأة تقديم شكوى والعودة إلى منزل زوجها، ولا يتوفر عدد كافي من مراكز حماية النساء والأطفال”
ويؤكد تقرير أصوات سورية أن العديد من النساء والفتيات تخترن الصمت بعد تعرضهن للعنف “بسبب الخوف والوصم الاجتماعي وانعدام الثقة في أنظمة الدعم المتاحة”، وإن هذا الصمت وعدم طلب الدعم قد يؤدي إلى مشاكل صحية جسدية ونفسية خطيرة ، ” إلا أن العديد من النساء والفتيات أفدن بأن الحديث عن العنف الذي تعرضن له قد يؤدي إلى عواقب أسوأ، بما في ذلك أشكال أخرى من العنف والتقييد”.
وبحسب مصدر في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تحدث إلى اللوبي النسوي السوري، يوجد في دمشق مركز واحد لاستقبال المعنفات وأطفالهن ، وهو الوحيد في كل سوريا، يسمى وحدة حماية الأسرة ، يتبع اداريا للهيئة السورية لشؤون الأسرة للسكان التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. تستقبل الوحدة الناجيات من العنف وأطفالهن في حال كانوا أمهات وتقدم لهن المأوى ودعم نفسي واجتماعي وقانوني وبرامج تدريب وتمكين اقتصادي من دورات محو أمية ولغات وتدريب مهني . تستقبل الوحدة إحالات نساء من كل سوريا، سواء عن طريق النائب العام او الأقسام الشرطية أو المشافي والجهات الطبية المختصة، يخصص للوحدة أيضا خط ساخن يمكن أيضا للنساء أنفسهن او للجيران وأفراد الأسر الممتدة أو المجتمع المحيط الإبلاغ عن حالات تعنيف عبره، وبعد التحقق يمكن إيواء الحالات المبلغ عنها في الوحدة أيضا. بحسب المصدر في عام 2026 استقبلت الوحدة ما يزيد عن ثلاثين حالة من النساء إيواء داخلي. بحسب فيديو تعريفي للوحدة بثته وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ان الإيواء في مركز الإقامة مؤقت مدته ستة أشهر.
يتبع للوحدة مركز طبي مستقل عنها، بحسب الفيديو التعريفي فإن ” الوحدة تقدم خدمات إدارة حالية خارجية وإدارة حالة داخلية . خدمات إدارة الحالة الخارجية تتم في مركز الاسرة الطبي، وهو يتألف من طبيبة نسائية وطبيبة اطفال ومثقف صحي وطبيب نفسي ومعالجة نفسية واستشارات قانونية. يقدم المركز أيضا الخدمات الداخلية ، بعد أن تقبل الناجية في مركز الإيواء منقدملها خدمات إدارة داخلية الي هي عبارة عن متابعة أمورها القانونية بالمحاكم، واي شي اخر هي بحاجته ايضا، ومتابعة أمورها الصحية، المراجعات سواء بالمركز الأسري أوخارجه، ومنقعد معاها (متابعة) كإدارة حالة داخلي مرة اسبوعيا”
بحسب المصدر استقبل المركز الطبي في العام 2026 مئات المراجعات من النساء وشملت خدماته المجتمع المحلي أيضا. وبحسب المصدر نفسه يتم العمل حاليا على إنشاء وحدات حماية مماثلة في محافظتي اللاذقية وحلب.
علم اللوبي النسوي السوري أيضا أن بعض المراكز الخاصة تقدم المأوى وخدمات الرعاية للمعنفات، كدير راهبات سيدة المحبة للراعي الصالح في دمشق، ويخصص الدير أيضا خطا ساخنا للإبلاغ وتقديم المساعدة باسم الواحة.
وتناقش المحامية زهر الدين أن دائرة العنف الممارس على النساء لا تقتصر فقط على مخاطر العنف الجسدي أو أشكال العنف الأخرى التي قد تتعرض لها في منزلها أو بيئتها المحيطة، و إنما تمتد للحقوق التي تحصل عليها في حال رغبت بالانفصال بما يتعلق بالحضانة والنفقة مما يجعل العديد من النساء لا تفكر في مغادرة دوائر العنف أساسا: “عندك الرجل عنده امكانية الطلاق التعسفي بارادة منفردة، لكن لا تمتلك المرأة هذا الحق، يسمح للنساء بطلب المخالعة، ولكن أغلب النساء عمليا تتنازل عن كل حقوقها لتحصل على المخالعة. حتى حق نفقتها كزوجة، لا منزل لها بعد الطلاق حتى إن حضنت أولادها، الرجل يبقى في المنزل وتغادر هي، إذا بدها تاخد اولادها تاخدهم.”
تترافق هذه البيئة شديدة الهشاشة بجدل سياسي عام يزيد من تعقيد المشهد، وهو نابع من فهم بعض المشرعين وأعضاء مجلس الشعب للقوانين ومصدرها، هل تستمد من القانون الوضعي أم الشريعة الإسلامية؟ في حادثة أثارت جدلا واسعا في المجتمع السوري قام عضو مجلس الشعب السوري النائب إسماعيل أبو الحارث بالدفاع عن ضرورة السماح بالضرب في المدارس كوسيلة للتأديب وقال : “موضوع الضرب، في نظريات كثيرة جدا… النظريات الغربية التي تقول بإلغاء الضرب ، والنظريات العربية والإسلامية التي تجيز الضرب بتقنين، أنا طبعا كرأي شخصي مع الضرب لأنها سنة نبوية “واضربوا عليهم وهم أبناء عشر”… وإذا أصرت الوزارة على إلغاء الضرب، ليكن بأسلوب آخر… مثلا، عندما ظهر فيديو على السوشيال ميديا معلمة تضرب طالب على يده، ما صار شي، لا انكسرت ولا أدميت ولا شي.. صارت (القصة) ترند، الوزارة استجابت وفصلت المعلمة، لماذا؟! صراحة هذا إجحاف… صار هنا المعلم يدخل على الصف وخايف من الطالب، حتى الطالب صار يدخل على الصف ويقول أنا ما بسترجي المعلم يقرّب علي.. هذا الطالب كيف سيتلقى علم من هذا المعلم؟!”
يظهر هذا التصريح تعقيد مشكلة العنف في سوريا وتداخل عوامل الثقافة والعادات مع الإشكاليات القانونية والمؤسساتية التي قد تفاقم من هذه الظاهرة.
الإطار القانوني وتداخلات القوانين
لا يوجد قانون خاص ومستقل متخصص بقضايا العنف الأسري والحماية في سوريا حتى اللحظة، ولا يوجد منظومة متكاملة للإحالة والحماية، وتخضع قضايا التعنيف المنزلي لقوانين سارية عدة من ضمنها قانون العقوبات السوري وقانون حقوق الطفل، لكن عدم تعريف العنف وتعدد المواد الناظمة يسمح بتطبيع العنف في حالات عدة.
يسمح قانون العقوبات السوري بالضرب كشكل من التأديب من قبل الأب والمعلم، ولكن يشترط أن لا يسبب الضرب أذية.
تنص المادة 185 من قانون العقوبات:
” 1 ـ لا يعد الفعل الذي يجيزه القانون جريمة.
2 ـ يجيز القانون:
آ ـ ضروب التأديب التي ينزلها بالأولاد آباؤهم وأساتذتهم على نحو ما يبيحه العرف العام. “
كما يبيح الشرع الإسلامي ضرب الزوجة الناشز والأطفال للتأديب على أن لا يكون ضربا مبرحا، ولكن المشكلة تكمن هنا بحسب المحامية زهر الدين أن قانون العقوبات لا يتضمن تعريفا واضحا للعنف مما يترك الباب مواربا أمام تفسيرات القضاة الشخصية.
تستخدم مواد من قانون العقوبات السوري للتعاطي مع حوادث العنف المنزلي التي قد ينتج عنها أذى جسدي ( المواد 540 إلى 543 للإيذاء الخفيف وصولا إلى الإيذاء الذي يفضي إلى عاهة دائمة- المادة 555 المتعلقة بحرمان شخص من حريته كالقيام بحبس الزوجة أو الأطفال – والمواد 559 إلى 564 المتعلقة بالتهديد بالسلاح أو التهديد بالأذية)
لكن وكما شهدت المحامية زهر الدين، لا يعالج قانون العقوبات السوري الحالي أشكال العنف الأخرى كالعنف اللفظي أو النفسي والاقتصادي.
وحتى اللحظة ، يعد قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021 أبرز التشريعات السورية الي يمكن اعتمادها لحماية الأطفال من العنف الأسري، فهو يقر بحماية الطفل من كافة أشكال العنف بما فيها العنف الجسدي والنفسي والجنسي والإهمال ايضا، ويمكن محاسبة أفراد أسرة الطفل بموجبه بما في ذلك الوالدين أو الأوصياء القانونيين.
(المادة 14 من قانون الطفل لعام 2021 :
أ- للطفل الحق في الحماية من أشكال العنف كافة، وخاصة الإساءة البدنية، أو المعنوية، أو الجنسية أو الأخلاقية، وغير ذلك من أشكال الإساءة في المعاملة، وله الحق في الحماية من الاستغلال، والإهمال، والتقصير، والتشرد، والأخطار المرورية،والممارسات الخطرة.
ب- تكفل الدولة إصدار التشريعات واتخاذ التدابير الإدارية والاجتماعية والتربوية والوقائية لتوفير هذا الحق.)
ولكن تبقى مادة قانون العقوبات 185 سارية المفعول، وقد أشارت مذكرة سياسة ومعلومات الدولة الصادرة عن وزارة الداخلية البريطانية في آذار 2026 إلى أن قانون العقوبات السوري يضمن استثناء يسمح للوالدين باستخدام بعض أساليب التأديب البدني ” على نحو ما يبيحه العرف العام”، إن هذا التضارب في القوانين يشير إلى إشكالية في مدى اتساع الحماية القانونية من العقاب البدني داخل الأسرة ويؤكد على ضرورة إدخال تعريف قانوني واضح للعنف.
ينص القانون السوري على منح الحضانة للأم حتى يبلغ الأطفال عمر الخامسة عشرة، ولكن غالبا ما تخسر الأم الحضانة في حال تزوجت مرة أخرى، تنص المادة 138 من قانون الأحوال الشخصية رقم 59 لعام 1953 أن “زواج الحاضنة من غير قريب محرم للمحضون يسقط حضانتها”، ولكن نظريا يبقى للقاضي الحق في إبقاء الطفل مع والدته في حال وافق زوجها الجديد واعتقد القاضي أن هذا من مصلحة الطفل. خسرت والدة الطفلة نور الدوس حضانتها بعد زواجها مرة ثانية.
تحتج المحامية زهر الدين أن القانون السوري لا يأخذ بعين الاعتبار المصلحة الفضلى للطفل في قضايا الحضانة، وتدعو لإدخال تعديلات تقرر الحضانة بموجبها بعد دراسات وتقييم مجتمعي لشخصية وواقع وعمل كل من الأب والأم يراعي المصلحة الفضلى للطفل.
في الأول من آب أعلنت وزارة العدل عن “مشروع قانون متكامل لمواجهة العنف الأسري، وهو بانتظار عرضه على مجلس الشعب” بحسب تصريحات وزير العدل السيد مظهر الويس، كان مشروع القانون قد طور بالتعاون بين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبعد الاستشارات مع أطراف عدة كوزارة الأوقاف ووزارة الداخلية. وأكد المصدر في وزارة الشؤون الاجتماعية للوبي النسوي أن مشروع القانون “شامل، و سيعمل على معالجة كل أشكال العنف بما فيها النفسي واللفظي و الاقتصادي، وتفعيل آليات حماية”، وأكد المصدر أن نقاشات واسعة تمت بين الأطراف المعنية حول محتويات مشروع القانون. لم يعلن حتى اللحظة عن موعد زمني محدد لإقرار القانون، ويتساءل السوريون اليوم هل سيكون مشروع القانون يتناسب مع شرعة حقوق الإنسان الدولية ويقدم منظور حماية متكامل للأطفال والنساء يمنع تكرار الجرائم التي شهدها المجتمع السوري مؤخرا.
خاص اللوبي النسوي السوري
نوارة محفوض صحافية وعضوة في اللوبي النسوي السوري