تعديلات الكتب المدرسية التي عُمّمت على سوريا باسم «منهاج دمشق» وما تكشفه
عن رؤية السلطة الانتقالية لمكانة النساء والفتيات في المجتمع.

في 24 تشرين الأول/أكتوبر 2026، نشر الصحفي السوري محمد السلوم سلسلة مقارنات توضّح كيف تغيّرت صفحات محددة من الكتب المدرسية بين النسخ التي كانت معتمدة في عهد بشار الأسد والطبعات المعتمدة حالياً. أظهرت المقارنات حذف نساء وفتيات من مشاهد مدرسية وعامة، وإضافة الحجاب والجلباب رقمياً إلى شخصيات نسائية، وتغطية أجساد تماثيل أثرية، وإزالة أعمال فنية ودروس تتناول المواطنة والمشاركة العامة.
استند السلوم في بداية عمله إلى تقرير بحثي من 241 صفحة أصدره معهد IMPACT-se في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026 بعنوان «سوريا الجديدة: التعليم في عهد الشرع – مراجعة المناهج المدرسية الوطنية السورية 2025–2026». فحص التقرير 130 كتاباً من الصف الأول حتى الثاني عشر وقارن طبعات 2025–2026 بطبعات سابقة. ومعهد IMPACT-se مؤسسة بحثية إسرائيلية المنشأ تأسست عام 1998، ولها مكتبان في إسرائيل وبريطانيا، وليست جهة تابعة لليونسكو. راجع السلوم النسخ القديمة والجديدة من الكتب المدرسية، ونشر مقارنات توثّق التغييرات في الصور والمحتوى. وتتيح هذه المقارنات التحقق من التعديلات بالرجوع مباشرة إلى طبعات وزارة التربية.
من حذف صور الأسد وشعارات البعث إلى تعديل محتوى المناهج
بعد فرار بشار الأسد من سوريا في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، قال وزير التربية آنذاك نذير القادري إن الوزارة ستزيل الإشارات إلى حزب البعث ورموز النظام السابق من الكتب المدرسية، بينما ستبقى المناهج العلمية والأدبية والمهنية على حالها. وأكد أن التعليم حق للإناث والذكور.
وفي مطلع كانون الثاني/يناير 2025، نشرت وزارة التربية قوائم تعديلات شملت مختلف المراحل الدراسية. تضمنت القوائم تغييرات في كتب التربية الإسلامية، منها استبدال عبارة «أن يبذل الإنسان روحه في سبيل وطنه» بعبارة «أن يبذل الإنسان روحه في سبيل الله»، و«يحكمه قانون العدل» بعبارة «يحكمه شرع الله»، و«مبدأ الأخوة الإنسانية» بعبارة «مبدأ الأخوة الإيمانية».
وشملت التعديلات أيضاً حذف وحدة «أصل الحياة والتطور» من مادة العلوم، وإزالة إشارات وشخصيات وأقوام من التاريخ القديم، من بينها زنوبيا والآراميون والكنعانيون، إلى جانب حذف نصوص وصور متصلة بالفنون، ودروس وصفحات من مقررات الفلسفة.
أثار اتساع هذه التغييرات اعتراضات عامة ومهنية، بعدما تجاوزت المهمة التي أعلنتها الوزارة، وهي إزالة دعاية نظام الأسد، ووصلت إلى موضوعات علمية وتاريخية وفلسفية ومفاهيم دينية. كما تركز الاعتراض على إجراء تغييرات تمس هوية التعليم من دون إعلان لجنة متخصصة أو فتح نقاش تربوي عام حولها. ومع اتساع الجدل، قال القادري إن المناهج ستبقى على حالها إلى أن تُشكّل لجان اختصاصية لمراجعتها، وإن ما أُعلن يهدف إلى تصحيح معلومات في مادة التربية الإسلامية.
وفي 9 كانون الثاني/يناير 2025، أصدرت الوزارة القرار رقم 104، الذي ألغى مادة التربية الوطنية، ونصّ على توزيع درجات مادة الاجتماعيات بالتساوي بين مادتي التاريخ والجغرافيا، وحذف درجتها في المرحلة الثانوية. وفي أيار/مايو 2025، أشار تقرير نشرته منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» إلى أن الوزارة لم تكن، حتى تاريخ إعداده، قد أعلنت أسماء لجان أكاديمية أو تربوية، ولا منهجية المراجعة أو مدتها. ظلت هناك فجوة واضحة بين وعد المراجعة المؤسسية والتعديلات التي نُشرت من دون مسار معلن يوضح من وضعها، وما المعايير التي استندت إليها، وكيف اتُّخذ القرار بشأنها.
وفي 17 آب/أغسطس 2026، أعلنت الوزارة اعتماد المنهاج المطبّق خلال العام الدراسي 2025–2026 في جميع المحافظات خلال العام الدراسي التالي 2026–2027. وبعد شهر، قال وزير التربية أمام مجلس الشعب إن الوزارة طبعت 41 مليون كتاب، وإن الصور والرموز المرتبطة بالنظام السابق أزيلت من آخر طبعتين. وبهذا التعميم، وصلت الصفحات المعدّلة إلى مدارس في محافظات كانت تعتمد مناهج أخرى خلال العام السابق. واتسع نطاقها من طبعات مطبّقة ضمن ما سمّته الوزارة «منهاج دمشق» إلى محتوى تعليمي موحّد على مستوى البلاد، يتلقاه أطفال كانوا يدرسون سابقاً وفق مناهج مختلفة.
من الطبيبة المعدّلة رقمياً إلى الطفلة المحذوفة
تكشف المقارنات أكثر من نوع واحد من التدخل. في كتاب الدراسات الاجتماعية للصف الأول، تظهر طبيبة في طبعة 2021-2022 من دون غطاء للرأس، ثم تظهر الشخصية نفسها في طبعة 2025-2026 بعد إضافة الحجاب إليها رقمياً. وفي كتاب التربية الإسلامية للصف الرابع، استُبدلت صورة شبان وشابات بملابس متنوعة بصورة تفرض نموذجاً محافظاً واحداً للباس، يصل إلى العباءة والنقاب.
وتوجد حالات حذف كامل فأزيلت طالبات من درس عن المؤسسات، وحُذفت طفلة كانت تقفز على الحبل من مشهد يضم أطفالاً، واختفت نساء وفتيات من الحديقة والشارع والسوق وبعض الأنشطة الاجتماعية والثقافية. كما أُزيلت صورة المغنية والكاهنة «أورنينا» من حضارة ماري من كتاب الدراسات الاجتماعية للصف الثالث، وحُذفت لوحة الموناليزا من درس عصر النهضة في كتاب التاريخ للصف السابع مع بقاء النص، وغُطي جسد تمثال الكاتب المصري القديم بملابس أضيفت إلى الصورة. وحذفت صفحات أو صور وأسئلة مرتبطة بالفنون المسرحية.
وفي إعادة إصدار كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس، الذي صدر أساساً في العام الدراسي 2012-2013 خلال عهد الأسد، لم يقتصر الحذف على مواد تمجّد النظام السابق. شمل أيضاً دروساً عن الإدارة المحلية والحياة السياسية والمواطنة والإعلام والمشاركة الديمقراطية.

كيف ترسم الصور المدرسية مكان الطفلة في المجتمع
تؤدي الصور في الكتب المدرسية وظيفة تربوية لا تقل عن النص. يقرأ الطفل المشهد قبل أن يستوعب المفاهيم المجردة، ويستدل منه على من يعمل، ومن يتخذ القرار، ومن يتحرك في الشارع، ومن يدخل المؤسسة، ومن يمثل الوطن. وتبحث الطفلة في هذه الصور عن احتمالات حياتها المقبلة. هل ترى نساءً في الطب والعمل والفن والفضاء العام؟ هل تجد فتاة تلعب وتتعلم وتشارك مثل بقية الأطفال؟ أم يظهر حضور النساء بعد تعديل لباسهن، بينما تختفي الفتاة حين يصبح المشهد عاماً أو مؤسسياً؟ عندما يتكرر النمط، تضيق أمامها الأدوار التي تستطيع أن تتخيل نفسها فيها، حتى لو بقي النص يتحدث عن المساواة بعبارات مشذبة
حين يُعاد تشكيل الفن والتاريخ
يضع حذف «أورنينا» والموناليزا وتغطية تمثال الكاتب المصري القديم مشكلة معرفية مباشرة أمام التعليم. تمثل «أورنينا» جزءاً من تراث ماري، ووجودها يعرّف الطلاب بتاريخ مدنهم وبالمكانة التي شغلتها النساء في حضارات المنطقة. حذف صورتها ينتزع امرأة من التاريخ السوري القديم، ويُفقِر محتوى الدرس نفسه. أما حذف صورة الموناليزا من درس عصر النهضة مع إبقاء النص، فيحوّل الدرس إلى شرح ناقص، ويفصل المعلومة عن المثال البصري الذي يساعد الطلاب على فهم المرحلة وتاريخها الفني. والمفارقة أن أحد مفاتيح فهم هذه اللوحة هو النظر إلى وجه المرأة فيها، وتأمل تعبيرها وابتسامتها الغامضة اللذين شغلا الفنانين والباحثين على مدى قرون. فكيف يُدرَّس تاريخ لوحة تقوم شهرتها، في جانب كبير منها، على ما نراه في وجه صاحبتها، بعدما تقرر حذف الوجه نفسه من الدرس؟
وتغطية جسد تمثال الكاتب المصري القديم بملابس معاصرة تقدّم معلومة تاريخية خاطئة. فالملابس المضافة لا تنتمي إلى زمن التمثال، ولا إلى هيئته الأصلية، ولا تستند إلى مقاربة أثرية يمكن شرحها للطلاب. يجري تغيير الشاهد التاريخي نفسه، ثم تُعرض الصورة المعدّلة داخل الكتاب كأنها توثيق للأصل. بهذه الطريقة يفقد الطالب فرصة رؤية الأثر كما وصل إلينا، وفهم اختلاف الأزمنة والثقافات وطرائق تمثيل الجسد فيها. ويتلقى تاريخاً أُعيد تنسيقه وفق إيديولوجية معاصرة لا علاقة لها بالحقيقة الأثرية.

الحذف يمتد إلى التاريخ والأدب واللغة
كشفت مقارنات لاحقة نشرها السلوم تعديلات أخرى في كتب التاريخ واللغة العربية. حُذف سلطان باشا الأطرش وصالح العلي من فقرة تتناول قادة الثورة السورية الكبرى، كما حُذف عبد الرحمن الكواكبي وكتابه «طبائع الاستبداد». وطال الحذف قصيدة «أنشودة المطر» لبدر شاكر السياب، من دون أن تنشر الوزارة تفسيراً تربوياً يوضح سبب إزالتها. وشملت التغييرات استبدال عبارة «الاحتلال العثماني» بعبارة «الاحتلال الأجنبي»، وتسمية الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف حسين «تمرد حسين». كما حُذفت عبارتا «مرحباً» و«مساء الخير» من درس عن آداب التحية، واقتصر المثال على «السلام عليكم».
لا تتساوى هذه التعديلات في حجمها أو أثرها، ويحتاج كل واحد منها إلى قراءة ضمن الكتاب والدرس الذي ورد فيه. اجتماعها يكشف اتساع عملية التحرير لتشمل اختيار الشخصيات التاريخية، وتسميات الأحداث، والنصوص الأدبية، وحتى عبارات التحية اليومية. ولا تتوافر وثيقة منشورة تشرح المعايير التي حكمت هذه الاختيارات.
رد الوزارة وما بقي دون جواب
في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026، قالت وزارة التربية والتعليم إن التعديلات التي أُجريت على المناهج منذ فرار بشار الأسد اقتصرت على تعديل واحد أُعلن عنه في كانون الثاني/يناير 2025، وإنه استهدف حذف رموز النظام السابق ومضامينه الأيديولوجية وتصحيح الصور والمحتوى المرتبط بها. وأضافت أن تطوير المناهج يهدف إلى صون التنوع المجتمعي وترسيخ قيم المواطنة والانتماء واحترام الآخر. يحدد البيان توقيت القرار الذي تستند إليه الوزارة، لكنه لا يفسر مضمون الصفحات المنشورة. حذف طفلة من مشهد، وإضافة الحجاب إلى طبيبة، وتغطية تمثال أثري، وحذف الموناليزا و«أورنينا» وأنشودة المطر والكواكبي وقادة من الثورة السورية الكبرى، كلها تغييرات تحتاج إلى أسباب تربوية محددة. كما أن حذف دروس عن المواطنة والإدارة المحلية والمشاركة الديمقراطية يصعب إدراجه تحت عنوان إزالة رموز النظام السابق من دون شرح إضافي.
ولا يوضح الرد من أعدّ هذه التغييرات، ومن راجعها، ومتى أُدخل كل تعديل إلى الكتب، ولماذا لم تُنشر قائمة شاملة بالصفحات التي حُذفت أو استُبدلت. تأكيد الوزارة أن التعديلات تعود إلى قرار واحد لا يبدد الأسئلة المتعلقة بمحتواها أو بطريقة تنفيذها، خصوصاً بعدما عُممت الطبعات على جميع المحافظات وطُبع منها ملايين النسخ. كان بإمكان الوزارة إرفاق ردها بسجل تغييرات يقارن الصفحات القديمة والجديدة، وقرارات لجان التأليف والمراجعة، والمبررات التربوية لكل تعديل. نشر هذه الوثائق يتيح نقاشاً قائماً على الوقائع ويمنع بقاء معلومات أساسية عن كتب ملايين الأطفال معلقة بين صور يكشفها صحفي وبيانات عامة تصدرها الوزارة.
المواطنة بعد حذف التربية الوطنية
حوّل نظام الأسد مادة التربية الوطنية والدراسات القومية إلى أدوات تلقين وتمجيد للسلطة، وكانت مراجعتها ضرورة تربوية وسياسية. وقد اختارت الوزارة حذف المادة كاملة في كانون الثاني/يناير 2025. المشكلة التي بقيت من دون جواب هي المحتوى الذي سيعرّف الطلاب بالمواطنة وحقوقهم وعمل مؤسسات الدولة بعد التخلص من دعاية النظام. حذف دروس الإدارة المحلية والحياة السياسية والإعلام والمشاركة الديمقراطية من كتاب الصف السادس يوسع هذا الفراغ. الأطفال والطفلات الذين عاشوا سنوات الحرب والنزوح والسلطات المتعددة يحتاج إلى فهم الدولة والقانون والمسؤولية العامة أكثر من أي وقت مضى. حجب هذه المفاهيم عنهم لا يحررهم من إيديولوجية الأسد، إنما يترك المجال مفتوحاً لإيديولوجية جديدة، ولا يشرح لهم كيف يسألون السلطة أو يشاركوا في الشأن العام.
عندما يوصم نقد السلطة بأنه دفاع عن الأسد
تزداد حساسية النقاش بسبب المناخ السياسي المحيط به. تنص المادة 49 من الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس 2025 على تجريم تمجيد نظام الأسد ورموزه، وإنكار جرائمه أو الإشادة بها أو تبريرها أو التهوين منها. وفي حزيران/يونيو 2026، أعلنت وزارة العدل إعداد مشروع قانون ينظم تطبيق هذه المادة. ولا يتضمن النص تجريماً لمجرد عدم إعلان إدانة النظام السابق أو لانتقاد السلطة الانتقالية. مع ذلك، لا يتوقف أثر اللغة السياسية عند باب المحكمة. في النقاشات السورية اليومية، تُستخدم أحياناً أوصاف مثل «الفلول» و«أيتام الأسد» في مواجهة أشخاص ينتقدون سياسات السلطة الحالية، حتى عندما يكون اعتراضهم متعلقاً بالمناهج أو حقوق النساء أو إدارة المرحلة الانتقالية. وقد وثّقت تقارير صدرت خلال عام 2026 حالة من عدم اليقين بشأن حدود النقد المسموح به، دفعت بعض الصحفيين والمواطنين إلى توخي الحذر وممارسة الرقابة الذاتية.
في ملف المناهج تحديداً، قد تتحول عبارة «إزالة إرث النظام» إلى غطاء يغلق النقاش قبل أن يبدأ. إزالة صور الأسد ودعاية البعث واجبة، ويجب فصلها عن حذف الفن والتاريخ والمواطنة والنساء. رفض إضافة الحجاب رقمياً إلى صورة طبيبة، أو حذف طفلة من مشهد، هو اعتراض على إدخال أيديولوجيا جديدة تحت عنوان يبدو محصناً من النقد، ولا يحمل دفاعاً عن مناهج الأسد.
المناهج داخل مسار أوسع لإقصاء النساء
خلال أقل من عامين، تكررت قرارات وممارسات رسمية تعكس توجهاً مقلقاً في التعامل مع حضور النساء في المجال العام، من تحديد فرصهن في التعليم والعمل إلى تمثيلهن في مؤسسات الحكم. ورغم اختلاف الجهات التي أصدرت هذه القرارات وسياقاتها، فإنها تتقاطع في إخضاع مشاركة النساء لشروط وقيود تحددها السلطة، وتترك حقوقهن وفرصهن عرضة لقرارات إدارية وسياسية قابلة للتغيير.
عند تشكيل الحكومة الانتقالية في آذار/مارس 2025، كانت هند قبوات المرأة الوحيدة بين أعضائها، وتولت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. هكذا اقتصر التمثيل النسائي في الحكومة على امرأة واحدة، في بلد تشكل النساء نحو نصف سكانه، بتنوع خلفياتهن وتجاربهن. وفي نظام اختيار مجلس الشعب، فُرض حد أدنى قدره 20 في المئة للنساء داخل الهيئات الناخبة، من دون ضمان حد أدنى لتمثيلهن في المجلس نفسه، ما ترك وصولهن إلى السلطة التشريعية رهناً بنتائج عملية الاختيار وقرارات التعيين. أسفرت مرحلة الاختيار غير المباشر عن فوز ست نساء فقط. ثم عيّن الرئيس الانتقالي 15 امرأة ضمن الثلث المخصص له، فارتفع عدد النساء إلى 21 من أصل 210 أعضاء، أي نحو عشرة في المئة. وبذلك وصلت 15 امرأة من أصل 21 عن طريق التعيين الرئاسي. حسّن القرار النتيجة العددية في هذه الدورة، فيما بقي نظام الاختيار نفسه عاجزاً عن ضمان تمثيل النساء. ويمكن أن تنخفض النسبة مجدداً في أي دورة لاحقة إذا تغيّر قرار الجهة التي تملك سلطة التعيين.
وفي كانون الثاني/يناير 2026، صدر في اللاذقية تعميم يمنع الموظفات في المؤسسات العامة من وضع المكياج خلال الدوام تحت طائلة المساءلة. ثم جاءت مفاضلة القبول الجامعي للعام 2026-2027 لتغلق غالبية برامج جامعتي الدفاع والأمن أمام النساء، وتشمل القيود في الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية أقسام الإدارة والاقتصاد والعلوم القانونية والعلوم الاجتماعية، إلى جانب اختصاصات أمنية وعسكرية. كما أظهرت وثائق المفاضلة قيوداً في معاهد النفط والغاز والخطوط الحديدية وبعض الاختصاصات الإعلامية.
قالت وزارة التعليم العالي إن معظم الاختصاصات مفتوحة للجنسين، وإن الاستثناءات تراعي طبيعة العمل ومتطلبات الجهات المعنية أو تستند إلى سياسات قديمة وضعف الإقبال. هذا الرد لا يعالج حصر القانون والعلوم الاجتماعية والإدارة بالذكور داخل مؤسسة يفترض أن تخرّج كوادر الدولة. والقول إن بعض القواعد قديم يشرح مصدرها ولا يمنحها شرعية جديدة. قدم هذه السياسات جزء من المشكلة. إدراجها في مفاضلة جديدة منح التمييز الموروث تاريخاً جديداً وختم الوزارة، وحوّله إلى قاعدة نافذة في مرحلة يُفترض أن تراجع هذا الإرث وتفككه.
تتقاطع هذه القرارات في أثرها حتى عندما تصدر عن مؤسسات مختلفة: تعدّل الصفحة شكل المرأة، وتغلق المفاضلة أمامها باب الاختصاص، وتترك آلية التمثيل السياسي حضورها رهناً بالتعيين، ويراقب التعميم الإداري وجهها في مكان العمل. ثم يأتي الكتاب المدرسي ليقدم هذه الحدود للأطفال. ومع تكرار حضور هذه الحدود في المدرسة والجامعة والعمل والسياسة، تتكوّن صورة متماسكة عن توزيع المكان والسلطة: يدخل الرجل الاختصاص والمؤسسة وغرفة القرار باعتباره الحضور المتوقع، بينما تدخل المرأة بشروط يحددها غيرها، وقد تُستبعد أو يُعاد تشكيل مظهرها أو يُستدرك غيابها بقرار من أعلى. وحين تنتقل هذه الصورة إلى الكتاب المدرسي، تكتسب سلطة المعرفة، ويتلقاها الأطفال كقاعدة تحدد منذ سنواتهم الأولى ما يحق للنساء أن يفعلنه، وأين يظهرن، وبأي هيئة يُسمح لهن بالبقاء.

قبل أن تصل الكتب الجديدة إلى الصفوف
تقول وزارة التربية إنها صاغت المعايير الوطنية للمناهج الجديدة وأحالتها إلى المجلس الأعلى للتربية والتعليم. تمنح هذه المرحلة الوزارة فرصة لتصحيح المسار، شرط أن تخرج عملية التأليف من الغرف المغلقة، وأن يعرف السوريون من يكتب كتب أطفالهم، وبأي معايير، وكيف تُراجع القرارات قبل وصولها إلى المطابع.
وفي بيانه بشأن التغييرات، دعا اللوبي النسوي السوري إلى مراجعتها، وضمان مشاركة تربويين وتربويات، وخبراء وخبيرات، وممثلي وممثلات المجتمع المدني في إعداد المناهج، بما يكفل احترام التنوع الاجتماعي والمساواة وحقوق الإنسان وقيم المواطنة والديمقراطية.
تتطلب هذه المراجعة إجراءات واضحة:
إتاحة نسخ رقمية مؤرخة من الكتب، وفتح مسار معلن لتلقي اعتراضات المعلمين والأهالي والباحثين وتصحيح الأخطاء قبل إعادة الطباعة.
نشر القرارات التي استندت إليها التعديلات السابقة، مع سجل يوضح ما حُذف أو استُبدل في كل كتاب، وتاريخ التغيير والجهة التي أقرته.
تعليق استخدام الصفحات موضع الاعتراض، أو إصدار تصحيحات لها، إلى أن تنتهي مراجعة تربوية مستقلة.
إعلان أسماء لجان التأليف والمراجعة واختصاصات أعضائها، وضمان مشاركة خبرات في التربية والتاريخ والفن وحقوق الإنسان، وتمثيل تنوع المجتمع السوري ومناطقه.
إعادة المواد المتعلقة بالمواطنة والإدارة المحلية والمشاركة الديمقراطية ضمن منهج يشرح الحقوق والمؤسسات، ويتخلص من التلقين الحزبي والديني.
اعتماد سياسة واضحة لتمثيل النساء والفتيات، تعرضهن في أدوار متنوعة وتحترم المحجبات وغير المحجبات، من دون تعديل صور النساء كي تتوافق مع نموذج واحد.
ما الذي يتعلمه الأطفال من الغياب؟
المناهج السورية الجديدة مطالبة بإزالة دعاية الأسد من التعليم، وبحماية المعرفة من رغبة أي سلطة في إعادة رسم المجتمع على مقاسها. ولهذا ينبغي أن يبدأ تقييم كل صفحة بأسئلة تتجاوز عدد الصور وجودة الطباعة: وتشمل هذه المسؤولية مراجعة ما فعلته الطبعات الجديدة بحضور النساء: امرأة عُدّل لباسها، وطفلة اختفت من المشهد، وطالبات حُذفن من صورة المؤسسة. فهذه التغييرات تحدد عملياً صورة المجتمع التي يتلقاها الأطفال، والمكان المتاح للنساء داخله.
حين تفتح طفلة سورية كتابها، أي مستقبل يعرضه عليها؟ هل ترى نساء يشبهن الواقع الذي تعيش فيه، باختلاف لباسهن وبيئاتهن وخياراتهن، يعملن ويدرسن ويشاركن في الفن والسياسة والمؤسسات؟ هل تجد لنفسها مكاناً كطبيبة وفنانة وقاضية وباحثة وصاحبة قرار؟ أم يقدم لها الكتاب نموذجاً واحداً للمرأة، ويعامل بقية النساء كصور تحتاج إلى تعديل أو شخصيات يمكن الاستغناء عنها؟
وحين يقرأ طفل الصفحة نفسها، ماذا يتعلم عن زميلته؟ هل يراها شريكة كاملة في اللعب والمعرفة والعمل والقرار، أم حضوراً يمكن حذفه من مشهد اللعب والمؤسسة، وتحديد مظهره قبل السماح له بالبقاء؟ وماذا يتعلم كلاهما عن الحقيقة عندما يُكسى تمثال أثري بملابس لم يعرفها عصره، وتُحذف لوحة فنية ويبقى شرحها، وتغيب امرأة من تاريخ ماري؟ لا يحتاج الطفل/ة إلى جملة صريحة تقول إن النساء أقل حضوراً. يكفي أن يراهن أقل، وفي أدوار أضيق، وبصورة واحدة تتكرر من كتاب إلى آخر. مكان النساء في الصفحة جزء من مكانهن في الدولة التي يجري بناؤها، وكل حذف يبدو صغيراً على الورق يمكن أن يتحول، مع آلاف الصفحات وملايين القراءات، إلى سقف منخفض فوق حياة جيل كامل.
المصادر
- تعديلات على المناهج السورية تشمل حذف دروس وطمس صور نساء وأعمال فنية — منصة تأكّد، 24 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
- كيف أصبح بيان التربية دليلاً لنفي تغييرات لم ينفِها؟ — منصة تأكّد، 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
- وزارة التربية: المناهج التعليمية شهدت تعديلاً واحداً خلال عام 2025 — وكالة الأنباء السورية (سانا)، 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
- The New Syria: Education Under al-Sharaa, Review of Syria’s National School Curriculum, 2025–2026 — معهد IMPACT-se، 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
- وزارة التربية: مناهج دراسية موحدة في كل المحافظات للعام الدراسي 2026–2027 — وكالة الأنباء السورية (سانا)، 17 آب/أغسطس 2026.
- وزير التربية يستعرض أمام مجلس الشعب خطط استيعاب زيادة الطلاب وتطوير التعليم — وكالة الأنباء السورية (سانا)، 14 أيلول/سبتمبر 2026.
- سوريا: تعديل المناهج الدراسية.. قرار أيديولوجي أحادي يفتقر إلى الشرعية — سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، 15 أيار/مايو 2025.
- تفاعلات واسعة بين السوريين بعد تعديلات بالمناهج الدراسية — الجزيرة نت، 2 كانون الثاني/يناير 2025.
- سوريا: منع النساء من الالتحاق بكليات الدفاع والأمن — هيومن رايتس ووتش، 16 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
- حالة الإعلام السوري خلال السنة الأولى من المرحلة الانتقالية السياسية — المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، 14 أيار/مايو 2026.