الحملاتمقالات

إضاءة على عدد من النسويات الرائدات

علياء أحمد – باحثة وناشطة نسوية

تصعب الاحاطة بجميع النساء اللواتي انشغلن بالقضية النسوية عبر القرون الماضية. هذه محاولة للتعريف ببعض الرائدات منهن، تتناول محطات من حياتهن على الصعيد الشخصي والفكري والسياسي، وتأثيرهن في الحركة النسوية العالمية.

أوليمب دي غوج Olympe de Gouges (1748-1793):  ولدت في جنوب غرب فرنسا، زُوجت مرغمة في سن ال 16، وتوفي زوجها بعد إنجابها طفلاً. انخرطت في العمل السياسي والمسرحي، وركّزت مسرحياتها على قضايا الاسترقاق، والعلاقات بين الذكور والإناث، وحقوق الأطفال، والبطالة وانتقدت الاستعمار الفرنسي. قابلت المؤسسة الأدبية التي يهيمن عليها الذكور عملَها بالنقد العدائي والسخرية، حتى أن بعض النقاد تساءلوا عما إذا كانت هي المؤلفة الحقيقية للأعمال التي وُقّعت باسمها. وبعد الثورة الفرنسية، أعدم اليعاقبة غوج بالمقصلة، بسبب آرائها السياسية ومناصرتها الجيرونديون. كان لمقالها “إعلان حقوق المرأة” عام 1791 عميق الأثر على نساء كثيرات داخل فرنسا وخارجها، ومنه استلهمت ماري ولستونكرافت كتابها الشهير “دفاعاً عن حقوق المرأة”، واقتبست عنه الناشطات في مؤتمر حقوق المرأة في سينيكا فولز 1848 “إعلان المشاعر”[1]. من أقوالها: “طالما أن للمرأة الحق في اعتلاء المشنقة، يجب على قدم المساواة أن تملك حق اعتلاء المنصة الكلام”[2].

ماري ولستونكرافت Mary Wollstonecraft(1759-1797): ولدت في لندن، وعملت مربيةً ومعلمة وأسّست مدرسة، ثم انتقلت لاحقاً إلى باريس. يُعدّ كتابها “دفاع عن حقوق المرأة” 1792 تأريخاً لبدء الموجة النسوية الأولى، ركزت فيه على حاجة المرأة للعقلانية: “عندما تستنير النساء بما يكفي ليكتشفن مصالحهنّ الحقيقية على نطاق واسع، فأنا مقتنعة أنهن سيكنّ مستعدّات جداً للتنازل عن كل عناصر التفوق في الحبّ التي لا تكون متبادلة”. توفيت ولستونكرافت بعد أيام من إنجاب ابنتها الثانية ماري شيلي، التي أصبحت كاتبة، ومن مؤلفاتها الكتاب الشهير فرانكشتاين. استُقبل كتاب ولستونكرافت “دفاع عن حقوق المرأة” بحماس شديد، لكنّ الحماس تراجع بشدة بعد وفاتها وقيام زوجها المُغرم بها، وليام غودوين الفيلسوف والروائي البريطاني، بنشر قصة حياتها عام 1798، كاشفاً تفاصيلاً كانت غير مقبولة اجتماعياً، كعلاقاتها خارج اطار الزواج وإنجابها طفلة “غير شرعية”، فتسبّب دون قصد بتدمير سمعتها لقرن من الزمن. وتمت مقاطعة الكتاب، ولم يُطبَع مجدداً حتى عام 1884.

سوجورنر تروث Sojourner Truth ( 1797-1883): ولدت في نيويورك باسم إيزابيلا بومفري، لكنها غيرت اسمها ونشطت في مناهضة العبودية وضد عقوبة الإعدام، ومن أجل حقوق النساء. كانت أول امرأة سوداء تفوز بقضية ضد رجل أبيض، حيث بيع ابنها ذو الخمس سنوات بشكل غير قانوني، واستطاعت استعادته. امتلكت موهبة الخطابة والتحدث أمام الجمهور واشتهرت بخطابها في أكرون بولاية أوهايو عام 1851 في مؤتمر حقوق المرأة “أولست امرأة” الذي حمل أولى بذور الفكر التقاطعي.

المنظمة النسائية الوطنية للسود (NBFO) The National Black Feminist Organisation: أسّستها في نيويورك 1973 مجموعة نساء سوداوات ركّزن على العبء المزدوج للتمييز الجنسي والعنصرية على السوداوات. أكد البيان التأسيسي ضرورة مواجهة الصور السلبية للنساء السود، ورفض استبعادهنّ من الأدوار القيادية من قبل المجتمع الأسود و”اليسار الأبيض الذكوري”، ودعا إلى إبراز النساء السود في هذه الحركات على وسائل الإعلام. لم تستمر المنظمة طويلا لافتقادها العمل التعاوني والتنظيم الفعال، فلم تُطرح قضايا المثليات السود، مما دفع بعدد منهن لتأسيس مجموعة نهر كومباهي (Combahee River Collective)، وسميت بذلك تيمناً ب هارييت توبمان Harriet Tubman المناضلة التي قادت معركة لتحرير السود قرب نهر كومباهي. أصدرت المجموعة بياناً يُعتبر من إرهاصات النهج التقاطعي، شرح سياساتهنّ والتزامهن في النضال ضد الاضطهاد العنصري والجنسي والمغايري والجنس الطبقي.

بيل هوكس Bell hooks (1952-2021): اسمها الحقيقيجلوريا جين واتكينز، ولدت في ولاية كنتاكي الأميريكة، واختارت اسم جدتها كقدوة تحدّت الأدوار التقليدية المفروضة على النساء، خاصة في مجتمع الجنوب الذي كان يعاني من الفصل العنصري. أنهت الدكتوراة في جامعة كاليفورنيا، وأصدرت العديد من الدراسات والكتب والأشعار. ناهضت تهميش نساء الطبقة العاملة، وتنبّهت لتهميش النساء السوداوات عن الساحة النسوية ودراسات المرأة، ويمثل كتابها “ألست امرأة؟ النساء السود والنسوية – Ain’t I a Woman? Black Women and Feminism” بداية إدخال الاهتمامات الثقافية للمرأة الأمريكية من أصل افريقي إلى الحركة النسوية. كما يعدّ كتابها “النسوية للجميع: سياسة شغوفة” Feminism Is for Everybody : Passionate Politics” (2000) من أبرز المؤلفات في الفكر النسوي، وفيه تعالج أهمية الفكر النسوي للجميع، بغضّ النظر عن العرق أو الجنس، وتوضح أن الجهل بالحركة النسوية هو السبب الكامن وراء معاداتها، فعملت على تفنيد الأكاذيب السائدة حولها وتوضيحها بلغة سهلة واضحة.

هند نوفل Hind Nawfal(1860-1920): ولدت في سوريا لعائلة مثقفة، حيث كان والداها كاتبين. تنقلت في حياتها ما بين بيروت والاسكندرية، وفيها أصدرت هند سنة 1892 مجلة “الفتاة”، التي وصفتها بأنها “علمية تاريخية أدبية فكاهية مختصة في جنسها”. لم تتحدّى المجلة الأدوار النمطية للمرأة، ولم تناقش في السياسة أو الدين، وتبنت هند فكرة التزام النساء المتزوجات بدورهن التقليدي فقط داخل المنزل، أما غير المتزوجات فيمكن عملهن في المجال العام حتى يتزوجن!  استمرت المجلة لسنتين فقط،  نشرت خلالها أفكاراً اعتُبر بعضها تقدّمياً حينها، إلى جانب أخبار نساء يحقّقن انجازات حول العالم. توقف صدور المحلّة بزواج هند، إذ والتزمت الدور الذي آمنت به كزوجة، بعيداً عن المجال العام.

هدى الشعراوي Huda Sha’arawi (1879-1947): اسمها الأصلي نور الهدى، ولدت في مصر من عائلة عريقة، كان والدها محمد سلطان باشا رئيس أول مجلس نواب في عهد الخديوي توفيق، وحصلت على تعليم رفيع مقارنة ببنات جيلها.عانت من التمييز في العائلة التي فضّلت أخاها الذكر، كما زوِّجَت في عمر الثالثة عشر بابن عمّتها الذي يكبرها حوالي 40 عاماً، فطلّقته لاحقاً وأصيبت بالاكتئاب. في رحلتها إلى فرنسا للاستشفاء، تعرفت على القيادات النسوية لتحرير فرنسا وتأثرت بهن، فعادت إلى مصر حاملة أفكاراً تنويرية عن حقوق النساء، وأصدرت مجلة “الإجيبسيان” باللغة الفرنسية، وساهمت في تأسيس العديد من الجمعيات الفكرية والخيرية، ثم الاتحاد النسائي المصري، ومجلّته “المرأة المصرية” التي كتبت شعرواي افتتاحيتها، كما شاركت في تأسيس “الاتحاد النسائي العربي”. في عمر الثانية والعشرين عادت شعراوي إلى حياتها الزوحية، تحت ضغوط العائلة، لتنجب طفلين صبي وبنت. لكنها واصلت نشاطها النسوي ونضالها السياسي، فخرجت مع النساء في المظاهرات المطالبة بالاستقلال، ومن أجل فلسطين، وحقوق النساء،  وقد نزعت حجابها علناً أثناء استقبال سعد زغلول عند عودته لمصر. اتُّهِمت هدى بالتناقض والادّعاء وأمراض النخبة، فهي لم تكتفِ برفض زواج ابنها من المطربة فاطمة سري التي كانت مطلقة وأم لطفلين ولا تناسب نسب شعراوي العريق، بل قيل أنّها لّفقت تهمة الدعارة لزوجة ابنها التي خاضت معركة طويلة انتهت بلإثبات نسب ابنتها، حفيدة الشعراوي.

فاطمة المرنيسي Fatema Mernissi (1940-2015): كاتبة وباحثة نسوية وعالمة اجتماع، ولدت في المغرب لأسرة مسلمة متدينة، وتعلمت في المدرسة الوطنية للبنات، ودرست العلوم السياسية في  جامعة السوربون. بحثت المرنيسي واقع المرأة في الإسلام، وعملت على تقديم تفسير نسوي لحقوق المرأة في الإسلام، لكنها لم تقدّم نفسها كإسلامية نسوية كما يشاع عنها، وإنما استفادت بعض الباحثات الاسلاميات من طروحاتها التي عمدت فيها إلى تفكيك الخطاب الذكوري والديني التمييزي للنساء في الإسلام. تقول في  كتابها “الحجاب والنخبة الذكورية: تفسير نسوي لحقوق المرأة في الإسلام” (1991): “لم يتم التلاعب دائمًا بالنصوص المقدسة فحسب، بل إن التلاعب بها هو سمة بنيوية لممارسة السلطة في المجتمعات الإسلامية”. في منشوراتها ومحاضراتها العامة، تناولت قضايا المركزية الأوروبية، والتقاطعية، والأفكار العابرة للقوميات، والنسوية العالمية، وواجهت النظرة الغربية المتعالية على النساء المسلمات، مناقشةً الاضطهادات التي تتعرض لها النساء المسلمات والغربيات، كل حسب السياق المجتمعي المتواجدة فيه.

سيمون دي بوفوار Simone de Beauvoir (1908- 1986): كاتبة نسوية وفيلسوفة وجودية، ولدت في باريس وعاشت طفولة ملتزمة دينياً خطّطت فيها لأن تكون راهبة حين تكبر، لكنها انتقلت بعد فترة المراهقة لتصبح ملحدة بقية حياتها. درست الرياضيات والفلسفة، وعلى مقاعد السوربون التقت بشريك حياتها جان بول سارتر، الذي عاشت معه علاقة عاطفية مفتوحة، خاضا فيها الكثير من المغامرات الحياتية والفكرية، وأثّرا بفكر بعضهما البعض. كتبت العديد من الروايات والكتب والمقالات، إضافة  للأطروحات الفلسفية التي كان لها عميق الأثر على جميع حركات التحرر النسوية في العالم. كتابها “الجنس الأخر” ” Le Deuxième Sexe” يعدّ لدى كثير من النسويات “انجيل النسوية”، وفق تعبيرهنّ.

بيتي فريدان Betty Friedan )1921-2006): كاتبة، ناشطة، ونسوية أمريكية، من أصول يهودية. نشطت مبكراً في المجموعات اليهودية والماركسية، ودرست علم النفس في جامعة كاليفورنيا لكنها لم تكمل زمالة الدكتوراه في حينها. تزوجت وانجبت ثلاثة أطفال، وطلبت الطلاق بعد زواج وصفت حياتها فيه “بالحياة الفصامية”. كان لها دور كبير في تأسيس المنظمة الوطنية للنساء عام 1966، وناضلت في سبيل حقوق متساوية للنساء في الفضاء العام، ويعتبر كتابها “اللغز الأنثوي” ” The Feminine Mystique” علامة فارقة في الحركة النسوية الأمريكية، ورغم إسهامه في رفع الوعي تجاه حقوق النساء، تعرّض لانتقاد شديد، فأهدافه لا تتجاوز تحقيق تكافؤ الفرص للمرأة في الميادين العامة، كذلك اُنتقدت فريدان من قبل النسويات الملونات، مثل بيل هوكس لتركيزها على نساء الطبقة المتوسطة البيضاوات وتجاهلها النساء من طبقات وأعراق أخرى. جدير بالذكر أن فريدان لم تدعم المثليات بل كتبت ضدهنّ، وعُرفت بتتعاملها معهن بطريقة مُهيمنة، وفق ما ذكرت لاحقاً كيت ميليت.

كيت ميليت Kate Millet  (1934-2017): ناشطة نسوية، معلمة وفنانة، ولدت في ولاية مينيسوتا الأميريكية، في عائلة تعاني من إدمان وعنف الأب. درست الإنكليزية في جامعة أوكسفورد، وكانت مزدوجة الميول الجنسية (bisexual). بعد زواجها من النحات الياباني فوميو يوشيمورا، تطلّقا لتتزوج من صوفي كير واستمرت علاقتهما حتى وفاتها. يعتبر كتاب ميليت “السياسات الجنسية”” Sexual Politics” من الأعمال النظرية الطموحة جداً في سياق النسوية الرديكالية، وقد كرّست مصطلح السياسات الجنسية القائمة على التحيّز للرجل أو سياسات العلاقات بين الجنسين، وكذلك مصطلح الأبوية، وأسست لتحليل نسوي نقدي فتح المجال للكتابات النقدية حول الأدب والسينما والثقافة الشعبية.

نوال السعداوي Nawal El Saadaw (1931-2021): طبيبة وكاتبة وروائية مصرية، ولدت في عائلة تقليدية وعانت من آثار الختان الذي تعرضت له وهي طفلة. كانت متفوقة في دراستها، وتخرجت في كلية الطب بجامعة القاهرة. تزوجت عدة مرات وباءت زيجاتها بالفشل، لأنها لم تستكِن للتسلط الذكوري أو الازداوجية التي عانت منها مع الرجال. اتسق سلوك نوال الثوري في فكرها مع حياتها، فقد كانت ناشطة سياسية، اعتقلت ورفعت عليها دعاوى قضائية بسبب طروحاتها الجريئة، في مجتمع محافظ تحكمه الأجهزة الأمنية، ويملك الإسلاميون فيه قوة مؤثرة. حُوربت أفكارها ورفعت عليها دعاوى “ازدراء الأديان” ودعوى للتفريق عن زوجها. مؤلفاتها التي تُرجمت لأكثر من عشرين لغة، تُشكّل إرثاً نسوياً في مواجهة العقليات الذكورية المهيمنة في جميع المجالات على الخطاب، في العالم العربي.هيلين سيكسوس (Hélène Cixous)‏ (-1937): ولدت في مدينة وهران الجزائرية من أبوين يهوديين، وتُعدّ من رائدات النظرية النسوية ما بعد البنيوية. اشتهرت مقالتها ”The Laugh of the Medusa” (ضحكة ميدوسا) وفيها شجعت النساء على استكشاف الاحتمالات العديدة لهويتهنّ الجنسية من خلال الكتابة الأنثوية، داعيةً لجعلها مصدراً للحرية لا القيود، ومؤكدةً في الوقت نفسه أنها لا تقتصر على النساء وإنما يمكن أن يكتبها الرجل والمرأة على حد سواء، وترى أنّ البنى الرمزية الموجودة حالياً لا تستطيع احتواء الكتابة الانثوية كما يجب، بسبب هيمنة الخطاب الذكوري.

خاص اللوبي النسوي السوري – حملة مارح أسكت

العمل للفنانة روان حسن


[1] https://www.thoughtco.com/olympe-de-gouges-rights-of-woman-3529894

[2] Feminismus und Geschichte der Frauenbewegung in Deutschland- Friedrich Ebert Stiftung https://2u.pw/cLrcl

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى