الحملاتمقالات

النسوية التقاطعية والحراك الشعبي السوري

علياء أحمد – باحثة وناشطة نسوية

يُنسَب مصطلح “التقاطعية Intersectionality” إلى المحامية والمُنظِّرة النسوية الأمريكية من أصول أفريقية، كيمبرلي كرينشو، التي ابتكرته في مقالتها الشهيرة “إلغاء تهميش تقاطع العرق والجنس: نقد نسوي أسود لعقيدة مناهضة التمييز، والنظرية النسوية، والممارسات السياسية المناهضة للعرقانية”، المنشورة عام ١٩٨٩. ورغم أنّ التقاطعية من أبرز المناهج التي اعتمدتها نسويات الموجة الثالثة، إلا أن الجذور المفاهيمية للمصطلح تعود إلى الموجة النسوية الأولى، ومحاولة الحد من هيمنة بعض التيارات النسوية على الحراك، مثل (حركة السوفراجيت) التي كانت، على أهمية مطالبها وتحرّكاتها، تهمّش مطالب واحتياجات نساء ينتمين لخلفيات طبقية وعرقية وإثنية مختلفة.

في مؤتمر حقوق النساء المنعقد عام 1851، ألقت سوجورنر تروث، وهي نسوية من أصول افريقية ناضلت ضد العبودية، خطاباً حمل البذرة الأولى للتقاطعية، إذ عبّرت عن رفض ما تعانيه النساء السوداوات من تمييز وإقصاء عرقي وطبقي، وهو ما لم يكن من أولويات نساء النخبة (النسويات البيضاوات)، حيث كان حق التصويت قضيّتهنّ المركزية آنذاك. عاد النزاع للظهور مع الموجة النسوية الثانية، وتشكيل تنظيمات وتجمعات نسوية لنساء ملونات ومختلفات الأعراق، مثل (تحالُف نساء العالم الثالث) و(تجمّع نهر كومباهي)، تناهض هيمنةَ النسوية المركزية السائدة (النسوية البيضاء) التي لا تلقي معاييرها وأهدافها بالاً لقضايا النساء “الأخريات”، أي السوداوات، الملونات، ونساء “العالم اللاغربي”، بل تسعى للهيمنة عليهن مستعملةً أدواتٍ بطريركية، أبرزها الإقصاء والتهميش.

مع الموجة الثالثة، عملت رائدات النسوية التقاطعية على اجتراح مقاربة جديدة لفهم معاناة النساء المهمشات، من خلال تجاوز التحليل الأحادي للقضايا، إلى تحليلٍ أكثر عمقاً وتفكيكاً للاضطهاد البطريركي، الذي يتقاطع مع اضطهادات أخرى قائمة على محدّدات مختلفة، كالجنس والجندر والطبقة والعرق والإثنية، وغيرها من عوامل تتفاعل لتنتج أشكالاً جديدة معقّدة من العنف والتمييز اللامرئي الذي تعاني منه النساء، ووضعنَ النساء السوداوات، بادئ الأمر، في مركز التحليل التقاطعي.

في مقالتها آنفة الذكر، توضح كرينشو طُرقَ تهميش السوداوات في النظرية النسوية السائدة وفي الخطاب السياسي المناهض للعنصرية، فتقول: “إن التركيز على أعضاء الفئة ذوي وذَوَات الامتياز الأعلى يهمِّشُ أولئك ذوي وذَوَات المُثْقِلات العدّة، ويُعتِّم على المظالم التي لا يمكن أن تُفهم كمظالم ناتجة عن مصدر تمييز منفرد… التركيز على أعضاء الفئة ذوي الامتيازات الأخرى يخلق تحليلًا مشوّهًا للعنصرية العرقية والعنصرية الجنسية”.

رغم ارتباط المنهج التقاطعي في نشأته الأولى بالنساء السوداوات واستخدامه لتحليل التمييز العرقي والجنسي ضدهن، إلا أن أدواته المنهجية ساعدت الكثير من العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، في تفسير علاقات القوة التي تؤدي إلى إنتاج حقائق مادية غير متكافئة، وتكرسها الخطابات المهيمنة في ما يتعلق بالجنس أوالجندر أوالطبقة أو العرق أو الإثنية، وسواها من ظواهر ينبغي تحليلها تقاطعياً لتقديم تصوّر أعمق وأوضح للأبعاد اللامرئية في نظريات السلطة والمعرفة وعلاقاتهما.

ضمن السياق السوري، يساعد المنهج التقاطعي في تفكيك السلطات البطركية/ الذكورية الأساسية وتحليل علاقاتها، ويمكن تمثيلها في أهرام رئيسة أربعة[1]: المجتمع، السلطة/ السياسة، الدين، والاقتصاد، وتختلف معايير القوة والسلطة تبعاً لخصوصية كل هرم.

تتوزع التراتبية في هرم الدين حسب كل ديانة وطوائفها ومذاهبها. وفي هرم السياسة والسلطة يعلو الحزب الحاكم مستبداً ببقية الأحزاب، محتكراً الحياة السياسية في البلد من خلال أدواته القمعية. وتتداخل في هرم المجتمع الانتماءات المناطقية والعائلية والعشائرية، ..الخ، مُفرزةَ تراتبية تختلف من منطقة لأخرى وفق المعايير المسيطرة. ويعلو رأس المال هرم الاقتصاد، كما يلعب حجم الملكية ودرجة الغنى والفقر دوراً في تحديد مستويات الأفراد ومراكز سلطتهم. تتقاطع الأهرام مع بعضها بكل تنوعها الهوياتي، وتتفاعل مؤثرة ومتأثرة ببعضها البعض بشكل معقد لا يسهل تفكيكه. لكن يمكن الجزم بوجود أفراد في كل هرم تابعين وخاضعين لمن هم في المستوى الأعلى، وبأن النساء يتموضعن ضمن كل هرم في درجة أقل من الرجال المُنتمين إلى نفس المستوى، سواء كان طبقياً أو سياسياً أو دينياً أو حتى اقتصادياً. وإن كنّ أفضل حالاً عند مقارنتهن برجال من مستويات أقلّ أحيانا، إلا أنهنّ يقعن تحت سلطة الرجال المنتمين إلى طبقتهنّ نفسها. من هذا المنظور، فإنّ تقاطع العنف القائم على الجنس، والتمييز القانوني والمجتمعي والديني والأخلاقي ضد النساء، أدّى لظهور أشكال جديدة من الاضطهاد، تعاني منها فئات من النساء السوريات أكثر من غيرهن، وجعلَ السوريات عموماً مواطنات درجة ثانية.

 بعد تحول مجرى الثورة السورية إلى العنف المسلح، اتخذت معاناة النساء (وهي معقّدة أصلاً) أشكالاً جديدة أكثر تعقيداً. ذلك أنّ هويات النساء في الأهرام السابقة حملت دلالات جديدة أفرزها الصراع، ولعبت دوراً في تقسيمات مستجدّة للسوريات حسب مواقعهن الاجتماعية، وهوياتهن المختلفة وانتمائاتهن السياسية والايديولوجية. وزاد النزوح واللجوء عدد الهويات المُضافة لتعريفات السوريات والتحديات المرافقة لهذه الهويّات، التي تفاعلت مع أشكال التمييز والعنف السابقة لتفرز تمييزا وعنفاً مركباً، مما يستدعي مقاربات ومنهجيات جديدة للإحاطة بأوضاعهنّ.

إن النظر للنساء السوريات ككتلة صمّاء واحدة لها الاحتياجات والمطالب نفسها، يعرّض فئات نسائية كثيرة للإقصاء والتهميش، ويجعل المقاربات الحقوقية والنسوية قاصرة وغير وافية في معالجة أوضاعهن. على سبيل المثال، تختلف تقاطعات الجندر مع اللجوء من بلد لآخر، وفق مصادقته على اتفاقية اللاجئين ومدى التزامه بها أو عدم توقيعه عليها أساساً. يتجلى ذلك في الوضع القانوني والحقوق المدنية للاجئات السوريات، ومدى تمثيلهن في السياسة والمجتمع، وظروفهم المعيشية والموارد والفرص المتاحة لهنّ، إضافة إلى القواعد والقيم المسيطرة على المجتمع اللاجئ وتوازناته مع المجتمع المضيف. فالتعامل مع اللاجئات السوريات دون النظر لتمايزاتهن، يؤدّي إلى تكريس الصور النمطية السائدة عن اللاجئة المُستغَلة، الضحيّة، التي تحتاج إلى من يأخذ بيدها، دون اكتراث إلى إمكانياتها وقدراتها التي تُهمَّش وتصبح لامرئية وغير معترف فيها، في برامج جاهزة وغير حساسة للثقافات ولا تراعي الفروق الفردية للنساء.

إن استخدام التحليل التقاطعي في الأبحاث والدراسات التي تتناول مراكز القوة في المجتمع ومواقع النساء فيها، مهم جدّاً للمنظمات ووسائل الإعلام النسوية، عند تصميم برامج أو مشاريع تستهدف لا النساء فقط وإنما أيضاً الأفراد ذوي الهويات اللامعيارية، وغيرهم من مستضعفين لا صوت لهم، فظروفهم واحتياجاتهم وتطلعاتهم ليست واحدة، وهذا ما يجدر أن تلحظه المنظمّات المعنية، وتعمل في ضوئه.

خاص اللوبي النسوي السوري – حملة مارح أسكت

العمل للفنانة روان حسن


[1] للمزيد انظر/ي علياء أحمد، “النسوية التقاطعية: معناها، تطبيقاتها، نقدها، وإمكانية استخدامها في السياق السوري”. مجلة قلمون، العدد 16، تموز/يوليو 2021، على الرابط: https://2u.pw/e5mEb

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى