الحملاتمقالات

الدراما العربية.. تشويه الحقيقة وتسخيف النضال النسوي

آلاء محمد – صحفية سورية وعضوة باللوبي النسوي السوري

كارهات للرجال.. أعمال درامية عربية تنمط النسويات بقوالب سلبية

يربط بعض الأشخاص في مجتمعاتنا مصطلح “نسويات” بعبارات شائعة مثل ” مسترجلات

خرابات بيوت، كارهات للرجال ومعقدات، منحلات أخلاقياً، يروجن للدعارة، فارغات، يقلدن الغرب، مثليات وعانسات ومطلقات”.

هذه العبارات الهجومية جاءت نتيجة عدم المعرفة بالنسوية ورفض التعرف عليها أو القراءة عنها أو التحاور مع روادها من النسويات/ يين، وعادة الإنسان عدو ما يجهل، فضلاً عن الموروث الذي يشمل العادات والتقاليد والأعراف التي نمطت النساء وفق أدوار معينة ووصمت من يخرجن عن المألوف وينتفض ضد الموروث “الذكوري” بصفات سلبية.

واللافت أن الدراما العربية لهذا العام، رغم أنها أضاءت على العديد من القضايا المهمة للمرأة والتي يتبناها النضال النسوي، إلا أنها سعت إلى ترسيخ النظرة النمطية عن “النسويات”.

مسلسل الكبير قوي

في إحدى حلقات مسلسل الكبير قوي، دار حوار بين شخصية حزلقوم الذي يقوم بها الفنان المصري أحمد مكي، وزوجته النسوية وصديقاتها النسويات، وكان المشهد كالتالي”يجلس حزلقوم مع زوجته وصديقاتها الغاضبات المنفعلات وتظهر على وجوههن ملامح الغضب والسخط من أي شيء، وكأنهن جاهزات لدخول معركة”.

أظهر المشهد هذا أن النسويات جاهزات لخلق المشاكل ونكديات حتى أن “حزلقوم” استخدم كلمة “أم قويق”، ويشير هذا المصطلح في ثقافة الشعوب العربية وخاصة المصرية إلى النحس والشؤم، ويعني أنه “عندما يتشاجر اثنان أو يبكي أحدهما باستمرار فنلقب ذلك الشخص بـ«أم قويق» وذلك للسخرية والتوبيخ”.

ويعتبر مسلسل الكبير أوي من أكثر المسلسلات مشاهدة في مستوى مصر وبعض الدول العربية لهذا العام، وفق منصة شاهد.

وفي مشهد آخر يقوم “حزلقوم” بشرح معنى فمنست لصديقه “هجرس” بعد أن سأله ماذا تعني، فيقول “يعني كارهة الرجالة، ويكمل إنه كان يظن أن الكلمة تعني أنها “أنثى بزيادة وحترقصلي على الطربيزة”.

وختم المشهد الساخر من النسويات، بأنه تفاجئ يوم زفافهم أنها دخلت عليه ببدلة رجالية!

ولكن المفارقة هنا، أن مسلسل “الكبير أوي” ناقش قضايا أخرى بطريقة كوميدية مقبولة، وطرحت بعيداً عن المباشرة والتشنج، منها التنمر، إدمان الأنترنت واضطراب الأكل القهري، وهوس عمليات التجميل، فلماذا تعمد أن يطرح القضية النسوية بهذا الشكل وبهذه المباشرة، والتي تعتبر طريقة منفرة ومحرضة ضد النسويات.

من شارع الهرم إلى

تصدر هذا العمل قائمة الأعمال الأكثر مشاهدة في رمضان في الدول الخليجية، حيث كانت القضايا الاجتماعية التي عرضها تتميز بجرأة واضحة بالنسبة للدراما الخليجية، وناقشت المسكوت عنه، ما أدى إلى حالة رفض مجتمعية معتبرين أنه لا يمثل المجتمع الخليجي، بينما اعتبره آخرون أنه يحاكي الواقع وينبئ بمرحلة جديدة أكثر انفتاحاً للدراما الخليجية.

وتدور قصة المسلسل حول طبيبة نسائية تقوم بدورها الفنانة “هدى حسين” وهي أم لـ 6 ذكور جميعهم أطباء باختصاصات مختلفة وعقليات مختلفة منهم الليبرالي والإسلامي والعلماني.

وجاء طرح “النسوية” من خلال طبيب العظمية “نزار” وهو رجل سياسي إسلامي وينوي الترشح لانتخابات البرلمان، ويستخدم سلطته السياسية الدينية لخداع المجتمع وكسب ودهم ليحصل على أصواتهم.

وفي أحد المشاهد يفتح “نزار” فيديو مباشر ويتحدث عن النسوية حيث يصفهن بأنهن يخربن بنات المسلمين ويغررن بهن، وأن هدفهن هو إفساد المجتمع وتدميره، وفي مشهد آخر يطلب من والدته الطبيبة إقناع صديقاتها النسويات بانتخابه حتى يعطيهن امتيازات ويسمح لهن بالعمل بشكل أفضل وفي حال رفضهن سيقوم بالتضييق عليهن.

هنا تحديداً يحمل العرض نقاطاً إيجابية أيضاً، فهو أوضح استخدام الرجال قضايا النساء في معاركهم السياسية والاجتماعية.

صورة نمطية 

ومن الصور النمطية التي يتم تداولها عن النسويات في الدراما والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، أنهن كثيرات الشكوى وينشغلن بها عن العمل وأن غضبهم لا مبرر له، إضافة إلى أنهن أنثويات يناضلن من أجل النساء فقط ويتجاهلن الرجال والمجتمع.

كما تروج بعض الأعمال إلى أن النسويات ليس لديهن اهتمامات أنثوية، يرفضن الاهتمام بأنفسهن ولا يضعن المكياج على سبيل المثال، وهو على العكس تماما، فيمكنني كإمرأة أن أؤمن بالنسوية وأهتم بالأناقة والمكياج والأمور المشابهة ولا يتعارض الأمر مع العمل النسوي والأهداف الذي يسعى إليها.

إن مثل هذه الأعمال التي تطرح النسوية في إطار شعبوي ينم عن قلة وعي القائمين عليها، وعدم إدراكهم لأهمية النضال النسوي وتأثيره على تطوير وتغيير المجتمع وتحسين وضع المرأة، وإضافة باب آخر من أبواب الإقصاء والتهميش التي ي/تواجه النسويات/ يين والتي تحول بينهن وبين قدرتهن على الوصول للمجتمع والعمل بفاعلية أكبر.

إطلاق الأحكام ونشر الشائعات والوصم بصفات سلبية لفئة معينة من الناس، أمر يفتقد للإنسانية وبعيد عن المنطق، لأنه من الطبيعي جداً اختلاف الشخصيات وطرق التعبير عن المواقف والظروف والمشاعر.

قد يعتبر البعض أن مجرد طرح قضية النسوية في الدراما العربية رغم تجاهلها لسنوات طويلة هو بحد ذاته انتصار، ولكنني أعتقد أن الطرح بهذه الصورة النمطية المستمدة من الفكر الذكوري الأبوي، يصعب الأمر على النسويات/ يين، ويضعهن أمام ضغوطات كبيرة وتحديات مجتمعية أكبر لمحاولة التخفيف من النتائج الناجمة عن هذه الأحكام.

خاص باللوبي النسوي السوري – حملة مارح أسكت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى