
نهى سويد
يُعيد فيلم Trees of Peace للمخرجة الأمريكية Alanna Brown قراءة مأساة الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 من منظور إنساني، بعد سنوات من عمل ألان براون على جمع شهادات الناجيات هناك. يحصر الفيلم الكارثة التاريخية في مساحة ضيّقة مركزاً على العلاقات الإنسانية، ما يجعل المشاهد يعيش تجربة حسّية مشحونة بالخوف والانتظار وغريزة البقاء.
ينطلق السرد من اغتيال الرئيس الرواندي Juvénal Habyarimana، وما تبعه من تعبئة سياسية متطرفة قادها متشددون من الهوتو ضد أقلية التوتسي. ويشكّل هذا الحدث ضغطاً نفسياً كثيفاً يخيّم على مصائر أربع نساء يختبئن في قبو منزل، لا يفصلهنّ عن العالم الخارجي سوى نافذة ضيقة يراقبن عبرها ما يحدث بحذر، فيما يهيمن على التجربة السينمائية زمنُ انتظارٍ معلّق يضاعف الإحساس بالتهديد.
يُقنع فرانسوا زوجته الحامل أنيك، المنتمية إلى الهوتو، بالنزول إلى القبو خوفاً عليها من الملاحقة والتفتيش وخطر القتل، لكونهما من المعتدلين. وسرعان ما تلتحق بأنيك ثلاث نساء أخريات فررْنَ من الشارع المشتعل، بيتون المتطوعة الأمريكية، وجانيت الراهبة، وموتيسي المرأة التوتسية التي تحمل في ذاكرتها مأساة إبادة قريتها.
منذ اللحظة الأولى يكشف هذا المكان الضيق حجم الانقسامات السياسية والعرقية بينهن، وكأنه رواندا المصغّرة. تتصاعد مشاعر الشك والريبة تدريجيًا؛ فلا تثق موتيسي في أنيك وزوجها، وتتأرجح ردود فعلها بين التحفّظ والعداء الصريح تجاه بيتون بسبب جنسيتها ولون بشرتها. في المقابل، تحاول جانيت تبنّي خطاب تصالحي، غير أنّ فاعليته تبقى محدودة تحت ضغط الخوف والجوع المستمرين، إذ تظلّ مساعيها للتقريب بين الشخصيات رهينة بالظروف المادية والنفسية القاسية.
تكشف المخرجة الخلفيات الشخصية لشخصياتها عبر اعترافات تدريجية، مما يعمّق البنية النفسية للعلاقات داخل المجموعة. وتبوح الناشطة الأمريكية بسرّ إصرارها على البقاء معهنّ، رغم سماح قادة الهوتو للأجانب البيض بمغادرة البلاد؛ إذ تعترف بأنها كانت مدمنة على الكحول، وتسببت في وفاة شقيقها الصغير بحادث سير بعدما أجبرته على مرافقتها، ولجأت لاحقاً إلى العمل الإنساني محاولةً التحرر من شعورها العميق بالذنب.
تعترف الراهبة جانيت لرفيقاتها بأنها ترهّبت هرباً من والدها قاسي الطباع، الذي كان يسيء معاملة أمّها ويهينها، مما دفع الأمّ في النهاية إلى الانتحار. أمّا أنيك فتعاني قلقاً مزمناً مرتبطاً بأربع حالات إجهاض سابقة؛ لذلك تصبح حماية جنينها محور توازنها النفسي وهاجسها الدائم.
تركّز آلان براون على التفاصيل الصغيرة والتوترات الدقيقة بين الشخصيات، مُبرِزةً كيف تَكشفُ الظروف القاسية أنانيّة الإنسان أو نزوعه إلى التضامن. في هذه المساحة الضيّقة تنكشف قدرة البشر على التكيّف والتواصل؛ فحتى في أحلك اللحظات تبرز رغبة في البقاء وحاجة إلى حماية الآخرين. تنشب صراعات حول أولوية الحصول على الطعام أو الأمان، بينما تحاول بعض النساء التوسّط وإعادة ترتيب موازين القوة وإحياء روح التعاطف داخل المجموعة. ومع أنّ الشكوك الأولى تخفّ تدريجيّاً، فإنّ الجوع والخطر الخارجي يظلان حاضرين، يضغطان على كل قرار وكل حركة.
تستعرض براون التاريخ من خلال تجربة إدراكية تعيشها الشخصيات، حيث نتعرّف على العالم الخارجي من منظور النساء داخل القبو، عبر رؤيتهن، أفكارهنّ، وردود أفعالهن. يتشارك المشاهد معهن حالة الترقّب والجهل بما يحدث خارج القبو، ما ينقل العمل من مستوى التمثيل التاريخي المباشر إلى مستوى درامي يعكس الصدمة وتجربة الوعي الفردي. نستعيد الكارثة من خلال آثارها النفسية في الأفراد. الذاكرة والخواطر، الكوابيس والهواجس، الأصوات البعيدة، الإشارات المتقطعة، والشهادات الشفوية المتبادلة بين النساء داخل القبو جميعها تنتج تاريخاً متشظٍيّاً يُبنى على إدراك جزئي وقلق دائم، بعيداً عن السرد الوقائعي المتسلسل، أو مشاهدة الصورة كاملة.
تركز السردية على فترة زمنيّة محدودة ضمن فضاء مغلق، ما يعمّق الإحساس باللحظة الراهنة، حيث تتلاشى الفروق الزمنية ويصبح الانتظار نفسه محور البنية الدرامية. الزمن حاضر مستمر يمارس دوره من خلال الضغط النفسي على النساء الأربع، بينما يضاعف الإيقاع البطيء من وطأة الصدمة.
تنتقل الكاميرا أحياناً إلى الخارج عبر لقطات مقتضبة، تلتقط عنف الشارع وجانبه الوحشي، ترى جانيت من نافذة القبو رجلاً يُقدم على اغتصاب سيدة من التوتسي ومن ثمّ يقتلها، تنصدم الراهبة جانيت من قسوة المشهد خاصةً أنها تعرف الرجل فقد كان معها بجوقة الكنيسة، ما يضع الخطاب الديني أمام اختبار أخلاقي حاد في زمن الإبادة.
تمثل الشخصيات الأربع في الفيلم صورة مختلفة عن الصورة النمطية للمرأة في زمن الحروب والعنف المنظم. فهنّ شخصيات فاعلة، لسن مجرد ضحايا، حيث تنقلنا آلان براون بشخصياتها من هامش الحدث إلى قلبه.
يمكن قراءة الحضور النسوي في فيلم أشجار السلام من خلال قدرة النساء على إنتاج خطاب ذاتي يعتمد على خبراتهن المعيشية، المشروطة بالعرق والانتماء الاجتماعي وأشكال الهيمنة. يقدم الفيلم بذلك رؤية نقدية تعيد النظر في الصورة التقليدية التي تصوّر المرأة كشخصية غير فاعلة داخل الأحداث، تكتفي بتلقي ما يحدث دون أن تؤثّر فيه، أو تكتفي برد الفعل بدل المبادرة.
تتخذ أنيك “صاحبة المنزل” دور الشخصية القيادية حيث تقوم برعاية النساء وتنظيم حياتهن داخل القبو، والحفاظ على تماسك المجموعة، كما تُعيد ترتيب الأولويات الأخلاقية في لحظة انهيار المرجعيات العامة، دون الاعتماد على مركز ذكوري أو دعم سلطوي خارجي.
أما الراهبة جانيت، تواجه إشكالية أخلاقية، إذ يتصارع صوت ضميرها مع التزامها بالقواعد الدينية والمؤسسية. ومع انهيار النظام العام تجد نفسها مضطرة لاتخاذ موقف أخلاقي قائم على قناعتها الشخصية ومسؤوليتها الإنسانية. وهكذا تمارس دورًا قيادياً أخلاقيّاً ينبع من التزامها الذاتي لا من سلطة دينية محددة، ما يبرز قدرة المرأة على اتخاذ موقف قيمي مستقل في زمن الأزمات.
تكشف شخصية المتطوعة الأمريكية “بيتون” أثر الاختلاف الثقافي في تشكيل وعيها بذاتها ودورها. فانتقالها من بيئة غربية آمنة نسبياً إلى سياق الحرب يضعها أمام تحديات تتجاوز تصوراتها السابقة عن المساعدة والعدالة والإنقاذ. ومع مواجهتها المباشرة للعنف، تبدأ بمراجعة امتيازها وموقعها كامرأة أمريكية بيضاء تنتمي إلى عالم أكثر استقراراً. حيث تُعيد تشكيل هويتها تحت ضغط التجربة، وتتطور لديها رؤية نقدية أكثر تجاه علاقات القوة غير المتكافئة بين الشمال والجنوب، وبين من يعيشون في أمان ومن يواجهون التهديد الدائم.
تعرّضت موتيسي لحادثة اغتصاب أثناء اشتعال الحرب (ممارسة العنف الجنسي لإذلال الجماعة) إلّا أنّها شخصية معتدّة بنفسها، حافظت على كرامتها وتماسكها الداخلي رغم ما تعرضت له. فالفيلم لا يحصرها في موقع الضحية، ولا يقدّم إصرارها على الثبات ورفضها الانهيار على أنّه فعل بطولي مبالغٌ فيه، ببساطة هو موقف إنساني يؤكد حقها في الحفاظ على ذاتها في ظروف تهدف إلى محوها معنوياً.
لعل أهم ما في فيلم أشجار السلام أنه يعيد توزيع السلطة بين النساء، رغم اختلافاتهن العرقية والاجتماعية. تكتشف النساء أن البقاء الجماعي يعتمد على التعاون النسوي، وأن السلطة ترتبط بالقدرة على إدارة الصراع النفسي، والتفاوض، والتنسيق للبقاء. هذا التصور يكشف عن وعي نسوي لدى كاتبة العمل ومخرجته آلان براون، ويتجسد في بناء الشخصيات الأربع داخل القبو، حيث تُظهر أن المرأة كيان مستقل قادر على القيادة واتخاذ القرارات ضمن حدودها. الشخصيات تتعاون، تتشارك المعرفة، وتقدّم الدعم النفسي لبعضها بعضاً، إذ نجحن في مقاومتهنّ كنساء قائمة، وتتجلّى قوتهن في القدرة على التفكير واتخاذ القرار والحفاظ على الكرامة وسط القمع والتهديد المستمر.
يوضح الفيلم أن المرأة قادرة على صنع سرديتها الخاصة والمساهمة في تشكيل الواقع الاجتماعي من حولها، ولا يقتصر دورها على كونها شاهدة أو ضحية.
تبلغ العلاقات النسويّة ذروتها حين تطلب النساء من الفتاة التوتسية مغادرة القبو أولاً، في حال أتيحت لها الفرصة، لكنّها ترفض المغادرة قبل الأخريات، هذا القرار يضع التضامن النسوي في مواجهة مع منطق النجاة الفردية.
تدمج مخرجة الفيلم البعد السياسي بسلاسة ضمن وعي الشخصيات، إذ يتضمن الفيلم إشارات تتهم المجتمع الدولي بالتقاعس عن التدخل، واقتصار دور قوات الأمم المتحدة على إجلاء الأجانب وموظفيها بنقد ضمني للفشل الدولي أمام هول الكارثة في رواندا، وهذا ما يعمّق شعور الشخصيات بالعزلة وانعدام الحماية.
إنّ فيلم أشجار السلام دراما مكثفة قائمة على الاقتصاد البصري والحميمية، معتمداً على تقنيات تقشّف مدروسة، تشمل لقطات قريبة للوجوه، ضوء طبيعي محدود، صمت كثيف يضيف توتراً مستمراً، وهيمنة زمن الانتظار على الإيقاع العام. إنّ استخدام المخرجة للمساحات الضيقة داخل القبو يكثّف من التوتر النفسي والإحساس بالخطر المستمر، حيث يفرض فضاء القبو الضاغط اقتصاداً في الحركة والكلام، ويحوّل الانتباه إلى أدق التقلّبات في النظرات والتنفس والتوتر والرجفان، ما يمنح التجربة طابعاً حميمياً ويجعل المشاهد يختبرها بعمق. تركز الكاميرا غالباً على وجوه الشخصيات، وتلتقط تعابير العين وحركات اليدين ولغة الجسد الدقيقة، فتصبح الوجوه محور السرد البصري، وتتجلّى الدراما النفسية في التفاصيل الصغيرة بدل المشاهد الخارجية الكبرى.
الإضاءة في الفيلم محدودة، تعتمد على الضوء الطبيعي القادم من الشقوق أو النافذة الصغيرة، لتعزيز الشعور بالخنق والعزلة، كما أنّ خلق التباين بين الظل والنور يرمز إلى الأمل والخطر في الوقت نفسه. هذا التباين يربط الحالة النفسية للشخصيات بسياق الصراع التاريخي ويضيف بعداً شعورياً مكثفاً للمكان. الحركة السينمائية متحفظة وهادئة، مع بعض اللقطات الطويلة البطيئة التي تسمح باختبار الزمن الداخلي والتركيز على لحظات الانتظار والتفاعلات الدقيقة بين الشخصيات. كل لحظة انتظار لها دلالة أخلاقية ونفسية.
هذا التقشّف المدروس يوضح للمهتمين بصناعة السينما أن القيود الإنتاجية غالباً ما تضيف قيمة جمالية للعمل السينمائي.
خرجت النساء الأربع من القبو بعد 81 يومًا من الاختباء خشية الإبادة الجماعية في رواندا، وقادهن فرانسوا إلى ملجأ آمن بعد استقرار الوضع العسكري بفضل سيطرة قوات المعارضة. انتهت بذلك المرحلة المباشرة للخطر بعد شهور من المعاناة، ولم يغفل الفيلم عن الإشارة إلى دور الناجيات في جهود المصالحة والشفاء الوطني بعد الإبادة، وما رافق ذلك من تطورات في وضع النساء في رواندا بعد الأحداث. يعد فيلم أشجار السلام عملاً دراميًا مستقلًا وناجحًا، يجمع بين الالتزام بالتاريخ والبعد الشخصي المؤثر، ويركز على تمثيل نسوي متنوع للهوية والتجربة الإنسانية. كما يبرز قدرة الموهبة السينمائية على الاستفادة من القيود الإنتاجية والمساحات الضيقة لخدمة الفن ولتقديم خطاب نقدي قوي.